الخميس، 10 أبريل 2014

أوسكار .. القط الذي حير العلماء

القطط حيوانات اجتماعية أليفة اعتاد البشر رؤيتها حولهم منذ أقدم العصور. البعض يحبها ويشفق عليها لجمالها وذكاءها، و البعض يمقتها لأنها تتسلل خلسة إلى مطبخه وتعبث بطعامه .. وهناك أيضا من يخشاها ولا يشعر بالراحة لوجودها، هؤلاء يخافون من عيونها بشكل خاص، فهي تحدق أحيانا بطريقة غريبة تبدو معها وكأنها تعي وتفهم، كأنها تود الحديث عن شيء ما، عن سر مخبوء تخفيه بعناية خلف تلك المقل الكبيرة البراقة، عن أمور وأشياء تراها هي بوضوح بينما نعجز نحن عن رؤيتها وإدراكها. وبسبب هذا الغموض الذي يحيط بالقطة فقد أرتبط أسمها منذ القدم بالكثير من الأساطير والخرافات، فقالوا بأن للقطة سبعة أرواح، وقالوا بأنها تستطيع الإحساس بوجود الجن والأشباح، وبأن القطة السوداء هي من الجن.
بالطبع معظم الناس في أيامنا هذه لا يؤمنون بتلك الخرافات القديمة، وربما سخروا منها. لكنهم قد يعيدون النظر في حساباتهم إذا ما سمعوا بقصة اوسكار(Oscar ) ذلك المخلوق الصغير الذي حير العلماء وجعل الكثير من الناس يتساءلون عن مدى الحد الفاصل بين الحقيقة والخرافة.
أمضى حياته كلها في الطابق الثالث من المصحة
و أوسكار لمن لا يعرفه هو قط جميل بدأت حكايته الغريبة عام 2005 في ولاية رود آيلاند الأمريكية. ففي تلك السنة قررت إحدى أقدم وأعرق المؤسسات الصحية في الولاية، وهي مصحة "ستير لرعاية المسنين" أن تتبنى قطا جديدا من أجل إضافته إلى مجموعة القطط والحيوانات الأليفة التي دأبت المصحة منذ زمن طويل على رعايتها وإطلاقها داخل أروقة وردهات المصحة لإضفاء جو من الألفة والمرح يعود بالنفع والفائدة على نفسيات ومعنويات النزلاء والعاملين في نفس الآن.
ولغرض الحصول على القط الجديد قام بعض موظفو المصحة بزيارة ملجأ للحيوانات المشردة حيث وقع اختيارهم على قطيط صغير أبيض ورمادي اللون عمره شهر واحد أطلقوا عليه لاحقا أسم "اوسكار".
أوسكار عاش في الطابق الثالث من المصحة، وهو طابق مخصص للعناية بالمرضى المصابين بالخرف، بعبارة أخرى هو المكان الذي تذهب أليه جميع الحالات الميئوس منها، أي المرضى المسنين الذين يتوقع أن يموتوا قريبا.
اوسكار الصغير سرعان ما شب ليصبح هرا جميلا خلال شهور قليلة فقط، وبالرغم من رعايته وتربيته على يد البشر منذ نعومة أظفاره، إلا إنه حرص دائما على إبقاء مسافة فاصلة بينه وبينهم، لم يكن بذلك القط الذي يتودد إلى الناس ويمسح ظهره بأقدامهم في غنج ودلال، ولا كان ليجلس في أحضانهم ويدعهم يداعبون فراءه الجميل الناعم بأصابعهم .. لا .. أوسكار لم يكن من ذلك النوع من القطط .. بل كان قطا غامضا في تصرفاته، لا يحبذ أن يلمسه أحد سوى عدد قليل من الممرضات اللواتي ساهمن في تربيته، وقد يختفي أحينا لساعات طويلة ثم يظهر فجأة متجولا بين الردهات والغرف ليتفقد المرضى تماما كما يفعل الأطباء والممرضون!.
يقوم بجولات تفقدية مثل الأطباء ..
وما أن أتم اوسكار عامه الأول داخل المصحة حتى أخذ العاملون يلاحظون سلوكا عجيبا طرأ فجأة على تصرفاته وجعله مميزا عن غيره من القطط الموجودة في المصحة. فأوسكار كما أسلفنا لم يكن يتودد للبشر ويحاول قدر الإمكان الابتعاد عن طريقهم، وما كان ليرضى طبعا بالجلوس إلى جانب المرضى في أسرتهم مهما حاولوا التودد أليه. لكن نفوره الفطري من البشر لم يكن ينطبق على المرضى المحتضرين، فأينما كان هناك مريض يحتضر داخل الطابق الثالث كان اوسكار يظهر فجأة ليعتلي سرير ذلك المريض ويرقد إلى جانبه وسط دهشة الجميع، كان يجلس بهدوء واضعا رأسه على جسد المريض كأنه يطيب عنه ويواسيه، وما أن تغادر الروح جسد ذلك المريض حتى ينتفض أوسكار من مكانه ويغادر السرير على الفور كأنه أدرك بأن جليسه فارق الحياة. وغالبا ما كانت المدة التي تفصل بين ظهور اوسكار وموت المريض لا تتجاوز الساعتين.
في البداية لم يصدق أحد من الأطباء والعاملين في المصحة بأن الهر أوسكار بإمكانه حقا أن يستشعر ويتنبأ بموت البشر، هذا مستحيل طبعا .. فهو في النهاية مجرد حيوان لا يعقل .. أليس كذلك؟ ..
كلا .. الفراعنة القدماء يقولون كلا!! .. فأولئك الفلاسفة والروحانيين العظام أمنوا بأن القطط هي تجسيد حي لروح الآلهة، أمنوا بأنها ترى وتسمع ما لا نراه ونسمعه.. لهذا احترموها وقدسوها إلى درجة أنهم كانوا يحنطوها ويقيمون العزاء لموتها.
لكن أطباء مصحة ستير ما كانوا ليؤمنوا طبعا بما يقوله الفراعنة. التفسير المنطقي الوحيد الذي بدا مقنعا بالنسبة لهم هو أن تزامن ظهور أوسكار مع موت المرضى هو مجرد مصادفة .. لا أكثر.
لكن مصادفات أوسكار أصبحت أكثر تكرارا يوما بعد آخر، الأمر الذي زاد من حيرة وذهول الجميع ..
في إحدى المرات كانت هناك سيدة عجوز من نزلاء المصحة مصابة بتخثر الدم في ساقها، كانت في غيبوبة، وكانت ساقها متيبسة وباردة بسبب عدم وصول الدم إليها، لكن الأطباء لم يكونوا يتوقعون موتها قريبا، أو هكذا ظنوا حتى ظهر اوسكار فجأة واعتلى سريرها، جلس عند ساقها المصابة وأحاطها بفرائه الناعم كأنه يحاول تدفئتها، وبعد قرابة الساعتين نهض من مكانه وغادر بهدوء .. كانت العجوز قد ماتت!.
يجلس الى جوارهم حتى يفارقوا الحياة ..
وفي مرة أخرى دخل أوسكار إلى غرفة أحد المرضى، اعتلى السرير ثم جلس كعادته بهدوء بجوار المريض العجوز الذي كان نائما، لكن عائلة المريض لم يحبذوا وجود أوسكار، خشوا أن يقلق راحة مريضهم فطلبوا أخراجه من الغرفة، وبالفعل حملته إحدى الممرضات برفق ثم رمته خارج الغرفة. لكن ما حدث بعد ذلك أذهل الجميع، فالهر العنيد لم يذهب بعيدا، بدأ بالمواء بصوت أشبه بالبكاء، وراح يطرق الباب ويخربشه بمخالبه كأنه يطلب الأذن بالدخول، وما أن فتحوا له الباب ثانية حتى ركض وقفز مجددا إلى سرير العجوز المريض الذي فارق الحياة خلال الساعتين التاليتين. وهذه المرة أيضا لم يكن الأطباء يتوقعون موت ذلك المريض.
الجدل حول قدرات أوسكار بدأ يتزايد يوما تلو آخر داخل المصحة. فريق أمنوا بقدراته، وفريق رفضوها رفضا قاطعا. وفي النهاية قرر كلا الفريقان إخضاع أوسكار لاختبار يقطع شكهم باليقين.
فقد كان هناك مريض عجوز يحتضر في إحدى غرف الطابق الثالث، وكان متوقعا أن يفارق الحياة خلال أقل من ساعة، لذلك أحضروا أوسكار إلى غرفة ذلك المريض وأجلسوه على سريره، قالوا بأن بقاءه بجوار المريض المحتضر سيؤكد حتما قدراته الخارقة، أما إذا حدث العكس، أي إذا ترك اوسكار السرير ورحل قبل موت المريض فأن ذلك سيعني بأنه لا يتمتع بأي قدرة في التنبؤ بالموت وبأن الأمر برمته ليس أكثر من مجرد مصادفة.
ووسط فرحة المشككين وخيبة المؤمنين شاهد الجميع اوسكار وهو يغادر السرير بعد لحظات قليلة من وضعه فيه، وهو الأمر الذي عده فريق المشككين دليلا قاطعا على أن موهبة أوسكار المزعومة هي وهم لا صحة له لأنه لم يستطع أن يدرك بأن المريض في حالة النزع الأخير.
لكن سعادة المشككين لم تدم طويلا، فعلى العكس من كل التوقعات لم يمت العجوز المحتضر خلال ساعة كما توقع الأطباء، بل فاجأ الجميع وتشبث بالحياة لعشرة ساعات أخرى. وقبل موته بفترة قصيرة ظهر أوسكار مجددا، هذه المرة من تلقاء نفسه، اعتلى سرير العجوز برشاقة وجلس إلى جواره بهدوء كما يفعل كل مرة، وبعد أقل من ساعتين فارق العجوز الحياة وسط ذهول كل من المؤيدين والمشككين. فقد تفوق اوسكار على الأطباء وأجهزتهم ومعداتهم المتطورة في التنبؤ بموعد الموت الدقيق للمريض.
خلال العامين التاليين تنبأ اوسكار بموت 25 مريض. ولم يعد أحد يشكك بقدراته، بل راح العاملين في المصحة يراقبون جولاته التفقدية باهتمام بالغ، وصار جلوسه إلى جوار احد المرضى بمثابة العلامة الفارقة على أن الموت سيحيط بذلك المريض قريبا. فكان كادر المستشفى يسارعون إلى الاتصال بعائلة المريض طالبين منهم الحضور فورا لأن مريضهم سيموت خلال ساعات قليلة.
المقالة التي جعلت من اوسكار مشهورا ..
برغم شهرة اوسكار داخل المصحة إلا أن العالم لم يسمع بموهبته وقدراته العجيبة إلا في عام 2007 حين كتب عنه الدكتور دافيد دوزا مقالا موسعا في مجلة (NEJM ) الطبية، وهي واحدة من أقدم وأكثر المجلات الطبية رصانة في الولايات المتحدة. ومنذ ذلك الحين أصبح أوسكار محط اهتمام الصحافة والناس.
وقد ظن العاملون في المصحة بأن شهرة اوسكار وذيوع صيته سيتسبب في غضب عائلات المرضى واستنكارهم لتواجده بالقرب من مرضاهم، لكن على العكس من ذلك، لاحظ الجميع بأن تلك العائلات الحزينة كانت تشعر بالامتنان لتواجد الهر الجميل قرب أحبائهم في ساعاتهم الأخيرة، كان بنظرهم كملاك الرحمة الذي يخفف وجوده من آلام الاحتضار والنزع الأخير. وبحسب الموقع الالكتروني لمصحة ستير فأن اوسكار تنبأ بـ 50 وفاة أخرى حتى عام 2010.

تفسيرات علمية

بطبيعة الحال ما كان العلماء ليؤمنوا بالخرافات، وما كانوا ليقبلوا أبدا بالتفسير القائل بأن القطط لديها قدرة فائقة على استشعار وتحديد حركة الطاقات والهالات الأثيرية غير المرئية، أي ما يتعارف عليه الناس بأسم الروح والجن والأشباح. لكن العلماء يؤمنون من جهة أخرى بأن الحيوانات لديها بالفعل قدرات فائقة لا يمتلكها البشر، ليست قدرات غيبية وما ورائية بالتأكيد، لكنها قدرات حسية استشعارية. إذ لا يختلف اثنان في أن حواس الحيوانات هي أقوى من حواسنا بمرات عديدة، خاصة حاستي الشم والسمع، وعليه فأن التفسير الأكثر عقلانية لقدرات اوسكار الخارقة يركز على حاسة الشم لدى القطط. فالخلايا المحتضرة تبدأ بإطلاق إنزيمات ومواد كيميائية معينة داخل الجسم البشري قبل الوفاة بفترة قصيرة من أجل تهيئة الجسم لمرحلة التحلل التي تعقب الموت، ويعتقد العلماء أن اوسكار ومن خلال وجوده داخل المصحة تمكن من تطوير موهبة خاصة في تمييز رائحة تلك الإنزيمات والمواد الكيميائية التي يطلقها الجسد ساعة موته. وعن طريق التقاط تلك الرائحة يتمكن من معرفة وتحديد موعد موت المرضى.
"ربما باستطاعته تمييز رائحة محددة مرتبطة بالموت" .. هكذا يقول الدكتور دوزا معلقا على قدرات اوسكار. وهذا هو بالضبط ما تعتقده البرفسورة جوان تينو، وهي أستاذة جامعية متخصصة في مجال الصحة، حيث تقول : "أنا اعتقد بأن هناك مواد كيميائية معينة تطلق داخل الجسد عند الاحتضار، واوسكار يستطيع شم وتمييز رائحة تلك المواد".
أما مارجي سكريك المتخصصة بعلم سلوك الحيوان في جامعة بريتش كولومبيا فتقول : "أظن بأنه يشم رائحة مواد كيميائية معينة تطلق داخل الجسد قبل الموت، فالقطط بإمكانها أن تشم الكثير من الروائح التي لا نتمكن نحن البشر من شمها، بإمكانها حتى شم رائحة المرض".
وهناك رأي آخر بشأن اوسكار يطرحه متخصص آخر في علم سلوك الحيوان هو الدكتور دانيال استيب الذي يقول بأن : "أحدى الأمور المميزة بالنسبة للأشخاص الذين على وشك الموت هو أنهم لا يتحركون كثيرا، وربما يكون اوسكار قد التقط هذه الحقيقة في أن الأشخاص المحتضرين يكونون في غاية السكون والهدوء. أنا أظن بأن الأمر لا يتعلق بالرائحة أو الأصوات الصادرة عن المريض، لكنه يتعلق بالحركة".
أما الدكتور توماس جرافيس المتخصص بدراسة السنوريات في جامعة الينوى فقد تحدث للبي بي سي عن قدرات القطط قائلا : "القطط غالبا ما تستطيع الإحساس والشعور بمرض أصحابها، وحتى بمرض الحيوانات الأخرى. وبإمكانها الإحساس بتغير الجو، وهي مشهورة كذلك بقدرتها الكبيرة في التنبؤ بالهزات الأرضية".

مخلوقات حساسة .. ولكن ..

إضافة إلى آراء العلماء والأطباء حول رهافة حواس القطط، فأن مربي القطط حول العالم موقنون بأنها قططهم هي الأكثر تفردا وتميزا من بين جميع الحيوانات فيما يتعلق بالإحساس والمشاعر والسلوك.
لكن هذا كله لا يفسر للأسف موهبة وقدرة اوسكار العجيبة .. لماذا؟ ..
ببساطة لأن اوسكار لا يعيش لوحده في الطابق الثالث من مصحة ستير، فهناك ستة قطط أخرى تعيش في ذلك الطابق، فإذا كان الأمر متعلقا بالرائحة فلماذا لم تبدي القطط الأخرى أية قدرات مشابهة لتلك التي أبداها اوسكار ..
وحتى لو افترضنا جدلا بأن الأمر يتعلق بالرائحة، فما الذي يدفع الهر للصعود إلى أسرة المرضى المحتضرين والجلوس بجوارهم .. هل يرى شيئا لا نراه نحن البشر؟ .. هل هو يفهم ويعي فكرة الموت؟! .. هل يقوم بالتسلية والتخفيف عن المرضى المحتضرين؟.
تذكر عزيزي القارئ بأننا نتكلم هنا عن مرضى مصابين بالخرف، أي أنهم لا يدركون شيئا مما يجري حولهم، فما الذي يدفع الهر أوسكار إلى مواكبتهم ساعة الموت؟! .. ما معنى جلوسه قربهم .. أنا شخصيا لا أفهم ذلك ولا أستطيع هضم فرضية أن ذلك الحيوان البليد يدرك حقا ماهية موت البشر.
ما رأيك أنت عزيزي القارئ؟ ..

الثلاثاء، 8 أبريل 2014

الشيطان مر من هنا!‏

اعتاد الناس على رؤية آثار أقدام البشر والحيوانات مغروسة في الطين أو تتناثر هنا وهناك فوق الرمال والثلوج، ‏وقد تخصص بعض أصحاب الفراسة في دارسة وتقفي هذه الخطوات حتى إن بإمكانهم إخبارك بالضبط لأي ‏مخلوق تعود وأين مضى صاحبها. لكن الخطوات التي ظهرت في انجلترا في صباح احد الأيام قبل قرن ونصف ‏من الزمان كانت تختلف عن جميع ما سبق للناس مشاهدته ووقف مقتفي الأثر أمامها حائرون .. خطوات عجيبة ‏أثارت الرعب والهلع على طول البلدات والقرى التي مرت بها واعتقد السكان بأن مخلوقا واحدا فقط في الكون ‏بإمكانه ترك هكذا آثار، وقد حاول المحققون تهدئة روع الناس عن طريق وضع فرضيات عقلانية لتفسير اللغز، ‏لكن الخطوات الغامضة ظلت رغم ذلك سرا استعصي حله حتى يومنا هذا.‏
خطوات مجهولة حيرت الناس لعقود
عند منتصف إحدى الليالي الباردة في شتاء عام 1855 تساقط الثلج بهدوء فوق مدينة ديفون الانجليزية والقرى والبلدات المحيطة بها. كان الناس يغطون في نوم عميق داخل منازلهم وأكواخهم الدافئة فيما كانت الشوارع والطرقات في الخارج تكتسي بطبقة بيضاء ناعمة. طبعا لم يكن منظر الثلج شيئا عجيبا لسكان تلك الأصقاع فهم اعتادوا على رؤيته طوال الشتاء، لكن الذي أثار دهشتهم وخوفهم في الصباح هو رؤية آثار حوافر غامضة تطرز صفحة ذلك الكساء الأبيض الصقيل الذي غطى ارض مدينتهم.
في الصباح تفاجأ الجميع بالخطوات الغامضة
لكن ما العجيب والمدهش في ذلك؟ ربما تكون آثار حوافر خيول بعض المسافرين ، أو قد تكون آثار أقدام بعض الحيوانات المتسكعة في الشوارع أثناء الليل .. هكذا تسأل بسخرية بعض من سمعوا بقصة تلك الخطوات المجهولة، لكن سخريتهم سرعان ما انقلبت إلى دهشة حين علموا بأن آثار الحوافر الغامضة مضت عبر شوارع مدينة ديفون والأراضي المجاورة لها لمسافة 100 ميل تقريبا بمسار واحد مستقيم، ليس هذا فحسب، لكن تلك الخطوات العجيبة لم يكن يوقفها أي شيء، فحين كان احد المنازل يعترض طريقها فأن صاحب تلك الخطوات لم يكن يستدير حول المنزل وإنما كان ببساطة يمشي على الجدران والسقف عبورا إلى الجهة الأخرى؟!، أحيانا كانت تصادفه بعض الحدائق والمزارع المحاطة بسياج عالي يستحيل على أي مخلوق عبورها والدخول إليها، لكن الخطوات المجهولة كانت تجتازها بسهولة مما أثار تعجب السكان وجعلهم يؤمنون بأن صاحب تلك الخطى الغامضة لديه جناحان حتما أو وسيلة ما للطيران. الأدهى من ذلك كله هو أن الخطوات اختفت عند ضفاف نهر ايكسي البالغ عرضه ميلان لتظهر مرة أخرى في النقطة التي تقع بالضبط على الضفة المقابلة من النهر كأنما سار صاحب الخطوات على صفحة الماء!.
آثار الحوافر كانت بحد ذاتها غريبة لم يرى الناس لها مثيلا في السابق، كانت على شكل حرف (U ) الانجليزي، بطول 4 انشات وعرض 2.5 انش وتفصل بين كل خطوة وأخرى 8 انشات. حتى أكثر الصيادين ومقتفي الأثر خبرة وحنكة لم يستطيعوا التعرف على نوع الحيوان الذي يمكن أن تعود له تلك الآثار.
سرعان ما أخذت الشائعات والقصص المخيفة تنتشر بسرعة البرق في ديفون، عدة أشخاص زعموا أنهم شاهدوا مخلوقا غريبا يتجول أثناء الليل عبر طرقات المدينة، و آمن الكثير من السكان بأن المخلوق صاحب الخطوات الغامضة لم يكن سوى الشيطان نفسه جاء متجولا في الليل باحثا عن الأرواح الخاطئة التي ازدادت باضطراد في تلك الأصقاع نتيجة لابتعاد الناس عن الله وانغماسهم في الخطيئة (–هذا في القرن التاسع عشر فماذا سيفعل الشيطان اليوم يا ترى؟!-).
في الأيام القليلة التالية عمت حالة من الهستيريا الجماعية في المناطق التي ظهرت فيها الخطوات الغامضة، بعض السكان شكلوا مجموعات مسلحة صغيرة راحت تقتفي اثر الخطوات المجهولة على أمل الإمساك بالمخلوق الذي يقف ورائها، فيما وقف آخرون يحرسون الطرقات والشوارع في الليل خشية أن يهاجمهم الشيطان على حين غرة. أما غالبية السكان فقد التزموا بيوتهم أثناء الليل ولم يغادروها لأي سبب كان.
الخوف والهلع التي سببته الخطوات الغامضة لم يقتصر على ديفون وما يجاورها بل امتد ليشمل اغلب مناطق انجلترا، خصوصا بعد نشر الصحافة لتقارير إخبارية مفصلة حول الموضوع في عدد من الجرائد الرصينة مثل التايمز والأخبار اللندنية.
شكل الخطوات المجهولة في ديفون
في الحقيقة لا يعلم احد على وجه الدقة ما هو مصدر الخطوات الغامضة، لكن بمرور الأيام والسنين ظهرت العديد من الفرضيات والنظريات التي حاولت تفسير اللغز بشكل منطقي وعقلاني. أول الفرضيات ألقت باللوم على الحيوانات مثل الغرير وبعض أنواع القوارض. فيما زعمت إحدى الجرائد الصادرة في ذلك الزمان في تقرير نشرته آنذاك أن الخطوات الغامضة تعود في الحقيقة إلى زوج من حيوانات الكنغر التي فرت من مزرعة خاصة قرب ديفون لكن الجريدة لم تقدم ما يدعم صحة مزاعمها كما لم يثبت أبدا فرار أو مشاهدة أي كنغر في المنطقة. وتكمن المشكلة الرئيسية في فرضية الحيوانات في عدم تماثل آثار حوافر وطريقة حركة أي حيوان مع آثار تلك الإقدام التي خطت تلك الخطى المجهولة في ديفون. أضف إلى ذلك فأنه من غير المفهوم أن يسير حيوان ما بخط مستقيم زهاء مئة ميل خلال ليلة واحدة قافزا فوق الجدران العالية وسطوح المنازل التي تصادفه وتعترض سبيله خلال مسيره، هذا إلا إذا كان ذلك الحيوان يمتلك القدرة على الطيران كأن يكون طائرا، لكن هذا سيزيد تعقيد اللغز ولا يحله لأن من غير المنطقي أن يستمر طائر بالمشي على الأرض لمسافة 100 ميل.
هناك فرضية أخرى هي الأكثر قبولا رغم أنها ظهرت بعد عدة عقود من حادثة ديفون، وتزعم تلك الفرضية ان بالونا للتجارب افلت عن طريق الخطأ من احد المراصد القريبة من ديفون في نفس الليلة التي ظهرت خلالها الخطوات الغامضة، وان هذا البالون كان مربوطا بسلسلتين طويلتين سحبهما خلفه عند جنوحه فتركتا آثارا على الثلج أثناء مرورهما فوقه وظن الناس أن آثار السلسلتين هي خطى حيوان أو مخلوق غامض، وهذا يفسر أيضا عبور الخطوات الغامضة للجدران العالية ولأسطح المنازل والأنهر والمسطحات المائية.
فرضية البالون جاءت بعد سنوات طويلة على حادثة ديفون وعلى لسان رجل زعم أن جده كان يعمل آنذاك في المرصد الجوي الذي افلت منه البالون وانه قد تم التستر على الحادثة آنذاك لأن البالون كان قد تسبب خلال مسيره ببعض الخسائر في ممتلكات الناس فخاف المرصد من أن يطالب هؤلاء بالتعويض وتكتم على الأمر.
الخطوات كما ظهرت في ديفون عام 2009
لكن مشكلة فرضية البالون تكمن في عدم وجود إثبات رسمي يؤكد إفلات احد البالونات في ليلة الحادثة كما أن عدم تعلق سلاسل البالون المتدلية بأي شيء رغم مرورها بالعديد من المنازل والأسوار والصخور والأشجار لمسافة مئة ميل وعدم مشاهدة البالون وسلاسله أو حتى سماع أصواتهما من قبل أي شخص خلال هذه المسافة الطويلة تبديان أمرا غير منطقيا تماما، ثم كيف سار البالون على هذا الارتفاع الثابت والمستقيم لمسافة مئة ميل؟.
هناك طبعا فرضية أخرى آمن وصدق بها معظم الناس آنذاك وهي تعتقد أن هذه الخطوات تعود فعلا للشيطان أو إلى احد المخلوقات الخرافية التي لم يثبت وجودها أبدا مثل جاك الوثاب. لكن فرضية المخلوقات الخارقة مرفوضة طبعا من قبل العلماء جملة وتفصلا.
الخطوات الغامضة ظهرت عدة مرات خلال تاريخ انجلترا قبل وبعد حادثة ديفون، إحدى أقدم الإشارات إلى هذه الظاهرة وردت في مخطوطة قديمة تحدثت عن ظهور مثل هذه الخطوات بعد عاصفة رعدية عنيفة في عام 1205 ميلادية. كما أن دول أخرى غير انجلترا عرفت أيضا ظهور مثل هذه الخطوات كما حدث في اسكتلندا وبولندا خلال فترات متباينة ونسبت الظاهرة أيضا إلى مخلوقات خرافية. المثير في الموضوع هو أن خطوات غامضة أخرى ظهرت في ديفون مرة أخرى في 12 آذار / مارس عام 2009 وأيضا من دون تتوفر أي تفسير مقنع لسبب ظهورها.

الأحد، 6 أبريل 2014

مقبرة تعرض موتاها للسياح!!

مقبرة من نوع آخر , تعرض أمواتها على السياح و هم يرتدون ملابسهم كاملة كأنما لايزالون على قيد الحياة !! هل هذه نكته أم دعاية لأحد أفلام الرعب ؟ كلا عزيزي القارئ لا هذا و لا ذاك و لكن هذه المقبرة حقيقية و يمكنك أنت نفسك زيارتها لو صادف يوما أن ذهبت إلى جزيرة صقلية الايطالية.
الموتى معلقين على الجدران كالوحات!
في جزيرة صقلية الايطالية، في مدينة باليرمو بالتحديد، هناك دير قديم لطائفة من النساك المسيحيين و التي تدعى (كابتشين) , أسفل هذا الدير و في السرداب بالتحديد هناك مقبرة تضم عدد كبير من جثث الموتى، بعضها لرهبان و قساوسة، وأخرى لأشخاص ذو مهن و أعمار مختلفة دفنوا هناك على مدى عشرات السنين.
طيب قد تسأل عزيزي القارئ و ما الغريب في ذلك ؟ كل مقابر العالم تضم جثث و هياكل الموتى و من مختلف المهن و الأعراق و الأعمار.
نعم هذا صحيح كل مقابر العالم تشترك في أنها تضم رفات الموتى، لكن إن يتم عرض هذه الرفات و الهياكل عن طريق تعليقها على الجدران كاللوحات و هي ترتدي ملابس و أزياء كما لو أنها لازالت على قيد الحياة و في وضعيات وقوف و جلوس مختلفة فهذا ما لا يتخيله المرء!.
أغرب مقبرة في العالم!
بدأت قصة الهياكل المعلقة في الدير في نهاية القرن السادس عشر و بالتحديد عندما قام الرهبان بفتح عدد من القبور القديمة في مقبرة الدير، و لشدة دهشتهم وجدوا أن جثث الموتى داخلها قد تحولت إلى موميائات، ربما بسبب نوع التربة المساعدة على التحنيط، و كانت أول جثة توضع في السرداب هي جثة الراهب سلفيسترو اوف كابيو عام 1599 وذلك بسبب عدم وجود مكان كاف في مقبرة الدير الأصلية، ثم استمرت بعد ذلك عمليات وضع الموتى في السرداب لعدة قرون تالية.
أزياء وملابس متنوعة تكسو الهياكل المتآكلة
في البدء تجفف الجثث عن طريق وضعها داخل رفوف مصنوعة على هيئة الأنابيب الخزفية، ثم يقومون بغسلها بالخل لاحقا، وأخيرا يكسوها بالثياب، وهي عادة ما تكون من ثياب الميت التي استخدمها في حياته اليومية، فالرهبان مثلا تتم كسوتهم بثيابهم الدينية المعهودة التي كانوا يستعملوها خلال تأدية الطقوس الدينية، أما بقية الموتى، فالرجال غالبا ما يرتدون بدلات و قمصان ويعتمرون قبعات، وقد يضع بعضهم النظارات على عيونهم، أو بالأحرى ما تبقى من عيونهم التي تحولت بمرور الزمن إلى مجرد تجويف مظلم. وهناك أيضا رجال يرتدون ملابسهم المهنية كالجنود و الضباط ببزاتهم العسكرية.
أما النساء فيرتدين ملابس وأزياء متنوعة، كأثواب المنزل والفساتين و التنورات طويلة و بعضهن يعتمرن القبعات النسائية.
وبالطبع يحق للأشخاص الذين يودون أن تعرض جثثهم في السرداب بعد موتهم أن يختاروا في وصيتهم نوع الثياب التي يودون ارتداءها أو قد يوصون بأن يتم تغيير ملابسهم من حين لآخر .
هناك قسم خاص بمومياءات الأطفال
بعض جثث أو مومياءات السرداب تحولت إلى هياكل عظمية فقط و لم يبقى إي اثر للبشرة والجلد، و هناك مجموعة أخرى حافظت على جزء من بشرتها و قد تتدلى من بعضها خصلات من الشعر و القليل منها لازالت عيونها سليمة.
يا ترى ماذا يقولون لبعضهم خلال الايام والليالي الطويلة التي يقضونها معا ؟
يقوم أقارب الموتى بزيارتهم و الصلاة لهم من حين لأخر و يقومون بالتبرع بالمال للدير الذي يعتمد على هذه التبرعات للمحافظة على السرداب وأدامته، حيث أن كل جثة تنقل بعد تجفيفها إلى مكان ثابت و دائمي داخل السرداب وتبقى هناك مادامت تبرعات الأقارب مستمرة، لكن في حال توقفهم عن دفع المال فأن المومياء ترفع من مكانها و تطرح جانبا على احد الرفوف.
الأميرة النائمة .. الطفلة روزاليا
أخر جثة تم وضعها بشكل رسمي في السرداب كانت في عام 1871 وهي تعود لأحد أعضاء الطائفة، لراهب يدعى ريكاردو، وبعدها توقف الدفن رسميا وأقتصر في مناسبات نادرة على جثث الأشخاص المعروفين و الأثرياء، وآخر تلك الجثث التي تم قبولها في السرداب كانت لطفلة في الثانية من العمر تدعى روزاليا لومباردو (Rosalia Lombardo ) أو "الأميرة النائمة" كما يسميها زوار السرداب، وقد ماتت هذه الطفلة بمرض داء الرئة عام 1920، ويمكن تمييزها اليوم من بين جميع الجثث داخل السرداب لأنها تبدو سليمة بشكل لا يصدق رغم مرور عشرات السنين على موتها، فهي تبدو كالنائمة في صندوقها النحاسي المغطى بالزجاج والموضوع داخل قسم الأطفال في المقبرة، و أحسب بأن أي شخص يرى صورتها من دون أن يعلم بموتها فسيظن حتما بأنها طفلة نائمة. أما طريقة تحنيطها المتقنة والفريدة فقد ضاعت أسرارها مع وفاة مخترعها البروفسور الفريدو سالافيا (Alfredo Salafia ).
منذ أواخر القرن التاسع عشر تحولت مقبرة السرداب إلى عامل جذب سياحي في الجزيرة، والمقبرة اليوم تضم حوالي 8000 مومياء علقت في صفوف على الجدران و قد تم تقسيمها إلى مجموعات، لرجال و النساء، وهذه المجموعات قسمت إلى أصناف وعنابر، فهناك واحدة للفتيات العذارى، وأخرى للأطفال، كما يوجد  قسم خاص للمشاهير و الشخصيات المرموقة يضم رفات أشهر الكتاب و الأطباء و المحامين و الضباط.
المقبرة مفتوحة للزوار كل يوم، وللزائر حرية التجول داخلها بعد أن يقطع تذكرة الدخول، لكن يمنع التقاط الصور للمومياءات، و لو صادف يوما ما بأن تقوم عزيزي القارئ بزيارة إلى مدينة باليرمو في جزيرة صقلية فلا تفوتك فرصة إلقاء نظرة على سرداب الموتى في دير كابتشين على العنوان التالي :
Italy/ Palermo/ Catacombe dei Cappuccini/1 Piazza Cappuccini
موعد الزيارة من الساعة التاسعة صباحا حتى الخامسة عصرا مع استراحة لساعة واحدة تمتد من الساعة الثانية عشر و حتى الواحدة.

الجمعة، 4 أبريل 2014

ساحرة جامايكا البيضاء .. وحش تجسد في صورة امرأة

في جامايكا يوجد قصر ابيض قديم و بالقرب منه يقبع قبر لامرأة يطلق الناس عليها اسم الساحرة البيضاء و التي ‏كانت يوما ما سيدة القصر و ما حوله من الأراضي الزراعية الشاسعة و يقال أنها كانت أرملة جميلة و ثرية و في ‏نفس الوقت قاسية و شريرة تتلذذ بتعذيب و قتل العبيد المساكين الذين كانت تملك الآلاف منهم و كانت مولعة ‏على وجه الخصوص بقتل الأطفال الصغار لتقديمهم كقرابين الى الشياطين خلال الطقوس السحرية المخيفة التي ‏كانت تمارسها في دهاليز القصر و رغم انها ماتت منذ عشرات السنين الا ان العديد من سكان جامايكا يزعمون ‏بأن روحها الغاضبة مازالت تتجول الى اليوم لتبث الرعب و الخوف في أرجاء القصر الذي ارتكبت فيه أبشع ‏الجرائم.‏

كانت تأخذ رجلا من عبيدها الى مخدعها كل ليلة و تقتله بعد ان تمل منه

قصر Rose Hall في جامايكا حيث يزعم الناس ان الساحرة البيضاء اقترفت جرائمها البشعة و حيث يتجول شبحها داخله كل ليلة
جامايكا قبل قرنين من الزمان كانت مستعمرة انكليزية تعج بآلاف العبيد الذين خطفهم الأوربيون من أفريقيا و نقلوهم عبر البحار ليعملوا في مزارع السكر التي كانت تدر الأرباح الطائلة على المستعمرين البيض في منطقة الكاريبي , و رغم ان هؤلاء العبيد تحولوا قسرا او بمرور الزمن الى المسيحية إلا ان البعض منهم بقي يمارس سرا عقائده الأفريقية القديمة التي كانت ترتكز في غالبها على الممارسات السحرية و التي وجد فيها هؤلاء العبيد المساكين بعض الترويح عن الحياة البائسة التي كانوا يعيشونها تحت رحمة الرجل الأبيض المتعجرف و القاسي , و كان احد هؤلاء الإقطاعيين البيض المتغطرسين يدعى جون بالمر و يعيش في قصر فخم يدعى قصر الزهور و قد تزوج في عام 1820 ‏من فتاة شابة تدعى آني كانت ضئيلة الجسم لا يتجاوز طولها 5 أقدام و لكنها كانت حسناء جميلة و قد تناقل السكان الكثير من القصص و الإشاعات حول المكان الذي قدمت منه و اكثر تلك القصص رواجا تزعم بأنها هاجرت مع عائلتها في سن العاشرة من أوربا الى هاييتي في أفريقيا و هناك توفى أبويها بعد إصابتهما بالحمى فكفلتها و ربتها ساحرة افريقية علمتها على أسرار الفودو (Voodoo ) و دربتها على ممارسة السحر الأسود الذي سرعان ما أتقنته آني و استعملته في الاستحواذ على قلب جون بالمر فجعلته يهيم بها حبا و يتزوجها.
سرعان ما بدء عبيد جون بالمر يشعرون بالخوف من زوجته الجديدة التي أخذت تعاملهم بمنتهى القسوة و كانت تستعمل تعاويذها السحرية في بسط سيطرتها المطلقة على عقل زوجها الذي تحول الى ألعوبة في يدها و لهذا أطلق عليها العبيد اسم الساحرة البيضاء و لم تمض سوى سنوات قليلة حتى مات جون بالمر فجأة رغم انه كان رجلا قويا و لا يشكو من أي مرض و الحقيقة هي ان السيدة بالمر كانت قد دست له سما مميتا في طعامه لتتخلص منه و تصبح هي السيدة المطلقة على القصر و المزرعة و على أكثر من ألفين من العبيد و أخذت تمارس شرورها  و طقوسها السحرية الغريبة بدون خوف و تعذب و تقتل العبيد بأبشع صورة و خصوصا الأطفال الصغار الذين كانت تقدمهم كقاربين للشياطين بعد ان تذبحهم و تعبث بأجسادهم البضة الرقيقة , كما أنها كانت شبقه لا تمل الرجال فكانت تختار العبيد الأقوياء و تأخذ واحدا منهم كل ليلة الى مخدعها ثم تقتلهم بعد ان تمل منهم و كانت جثث ضحاياها تنقل الى الساحل و ترمى في البحر عن طريق دهاليز سرية تحت القصر لا يعلم احد أسرارها سواها.
لم تمض مدة طويلة حتى تزوجت آني مرة ثانية فقد كانت أرملة غنية و جميلة لذلك تقدم لخطبتها الكثير من الطامعين بثروتها و هم يظنون في قرارة نفسهم بأنهم وقعوا على صيد سهل و غنيمة مباحة لكنهم لم يكونوا يتخيلون المصير الأسود الذي ينتظرهم على يد الساحرة السفاحة , و بالفعل ما هي الا أشهر قليلة حتى اختفى فجأة زوج السيدة بالمر الجديد و ادعت بأنه مات نتيجة إصابته بالحمى الصفراء و هو مرض شائع في تلك الأنحاء , لكن الحقيقة كانت شيئا آخر , فالسيدة بالمر كانت قد قتلت زوجها و مزقت جسده بعشرات الطعنات بعد ان باغتته أثناء نومه ثم قامت بإلقاء جثته في البحر بمساعدة احد عشاقها من العبيد الذي سرعان ما اختفى هو أيضا بعد ان قتلته السيدة بالمر لتخفي أي اثر لجريمتها.
و ما ان ترملت الساحرة البيضاء حتى تقاطر الخاطبين على قصر الزهور من جديد و سرعان ما وجدت في احدهم ضالتها فتزوجته و لم تمض سوى شهور قليلة حتى أصبح ضحية جديدة تضاف الى قائمة ضحاياها الطويلة و يقال انها قتلته بعد ان سكبت الشمع المصهور في أذنه أثناء نومه و تخلصت من جثته كما فعلت مع أزواجها السابقين ثم ادعت انه مات بسبب الحمى.
قبر الساحرة البيضاء بالقرب من قصرها و قد اصبح محطة سياحية للكثير من زوار جامايكا
استمرت جرائم السيدة بالمر حتى عام 1830 و هو التاريخ الذي ماتت فيه و تخلص العالم من شرورها و قد دارت حول موتها الكثير من القصص إحداها تزعم ان عجوزا سوداء اسمها تاكو هي التي قتلتها انتقاما منها لأنها كانت قد ذبحت حفيدتها و قدمتها كقربان في إحدى حفلات الفودو الدموية التي كانت تمارسها , و هناك قصة أخرى و هي الأقرب الى الحقيقة و تدعي ان السيدة بالمر قتلت أثناء ثورة العبيد في جامايكا عام 1830 و هي الثورة التي قتل فيها اغلب  ملاك الأراضي البيض و أحرقت منازلهم و يقال ان العبيد مزقوا جسد الساحرة البيضاء انتقاما لما كانت تفعله بهم من شرور و موبقات فظيعة و لكنهم لم يجرؤا على حرق قصرها لاعتقادهم بأنه مرصود و أن من يحرقه سيصاب باللعنة الأبدية و لهذا أصبح القصر واحدا من بين القصور القليلة في جامايكا التي تعود الى عصر الإقطاع و نجت من التدمير على يد العبيد الثائرين الذين احرقوا ما يقارب السبعمائة و الخمسين قصرا و منزلا للإقطاعيين البيض و سووها بالأرض.
رغم موتها الا ان الساحرة البيضاء استمرت في نشر الرعب و اخذ السكان الخائفين يتناقلون القصص حول روحها الغاضبة التي كانت تهيم داخل القصر باحثة عن الانتقام لذلك استعانوا بثلاثة من طاردي الأرواح ليخلصوهم من شبحها الا ان هؤلاء فشلوا في مسعاهم , و اليوم هناك العديد من الناس في جامايكا يقسمون بأنهم شاهدوا شبح آني بالمر (Annie Palmer ) او سمعوا أصوات غريبة و مخيفة تصدر من قصرها و خصوصا صوت بكاء و نحيب لأطفال صغار يأتي من جهة مجهولة أسفل القصر.
و في السنين الأخيرة أصبح قصر الزهور و قبر الساحرة البيضاء في جامايكا واحدا من أكثر المواقع جذبا للسياح على الرغم من اختلاف الآراء حول حقيقة قصتها فهناك عدد من المؤرخين يشككون في ان السيدة بالمر كانت ساحرة شريرة و يعتبرون قصتها مجرد أسطورة و خرافة شعبية و حسب رواية هؤلاء فأن آني بالمر هي شخصية حقيقية عاشت في القصر خلال القرن التاسع عشر لكنها لم تكن قاسية مع العبيد و لم تتهم بقتل احد و لم تتزوج سوى مرة واحدة و كانت وفاتها طبيعية عام 1843 الا ان هذا الرأي لم يمنع السكان المحليين و آلاف السياح من القدوم الى القصر كل عام و لم يوقف سيل القصص التي يتداولها الناس حول الساحرة البيضاء و شبحها المخيف.
للمزيد اكتب (Annie Palmer: The White Witch of Jamaica ) في أي محرك بحث.

الأربعاء، 2 أبريل 2014

منزل عائلة فوكس المسكون

هادسفيل بلدة صغيرة و مغمورة تقع بالقرب من نيويورك، لم تكن موضع عناية واهتمام أحد، لكن ما حدث في إحدى الليالي المخيفة من عام 1848 جلب لها الشهرة وسلط عليها الأضواء ... أقرأ معنا قصة الأحداث العجيبة التي جرت في تلك الليلة في منزل عائلة فوكس في هادسفيل .. الأحداث التي أصبحت مصدر الهام للكثير من قصص وأفلام الرعب الشهيرة.
الشقيقات فوكس
القصة بدأت في ديسمبر عام 1847 عندما انتقلت عائلة فوكس للسكن في بلدة هادسفيل الصغيرة، العائلة كانت مكونة من الأب جون فوكس و زوجته مارغريت و ابنتيهما كاتي و مارغريت، وقد انتقلوا للعيش في منزل كان أهالي البلدة يقولون بأنه مسكون، وكانت هناك الكثير من القصص والشائعات حول الأصوات الغريبة والغامضة التي يضج بها المنزل والتي دفعت المستأجر السابق إلى تركه بعد أن كاد يصاب بالجنون.
حال عائلة فوكس مع المنزل الجديد لم يكن أفضل من حال المستأجر السابق، فبعد فترة قصيرة على سكنهم في ذلك المنزل بدأت العائلة تسمع أصوات غريبة مجهولة المصدر يصاحبها أحيانا تحرك بعض قطع الأثاث من تلقاء نفسها! .. وقد تسببت هذه الأمور بإرعاب العائلة، خصوصا البنات الصغيرات اللاتي دفعهن الخوف والهلع إلى الانتقال للنوم في غرفة أبويهما. وكانت تلك الأصوات من الوضوح والقوة إلى درجة أن الأسرة و الكراسي كانت تهتز لها أحيانا، و قد حاولت العائلة عبثا معرفة مصدر تلك الأصوات، لكن من دون فائدة تذكر، واستمر هذا الحال حتى ليلة 31 مارس من عام 1848 .. ففي تلك الليلة الرهيبة وقعت أمور قد لا يتخيل المرء حدوثها سوى في الكوابيس وأفلام الرعب السينمائية، ولتفصيل تلك الأحداث المروعة سأتركك عزيزي القارئ مع ما كتبته السيدة فوكس كشهادة حية على مجريات تلك الليلة، وهي شهادة وقع عليها الجيران أيضا لزيادة مصداقيتها وتأكيد حدوثها .. تقول السيدة فوكس :
"في الليلة الأولى لسماعنا الضوضاء الخفية نهضنا جميعا من أسرتنا و أوقدنا الشموع باحثين في أرجاء البيت عن مصدرها ، لكن بدون جدوى ، و استمرت الأصوات تسمع لفترة في نفس المكان ، لم تكن أصوات عالية ، لكنها كانت تصدر صريرا في الأسرة و الكراسي يمكننا الإحساس به أثناء استلقائنا في أسرتنا ، وكانت على شكل دقات منتظمة ولم تكن متقطعة وفجائية ، وكنا نستطيع الإحساس بها عند وقوفنا فوق أرضية المنزل، واستمرت تروعنا حتى استغرقنا في النوم بصعوبة، فأنا لم استطع النوم حتى الساعة الثانية عشر بعد منتصف الليل.
وفي 30 مارس عاد الدق ليزعجنا مجددا طوال الليل، وكان يسمع في جميع أرجاء المنزل ، وحين وقف زوجي خارج حجرة النوم وبقيت أنا داخلها كان الدق يتردد بوضوح على الباب الذي يفصل بيننا! ، ثم سمعنا صوت خطوات غامضة في حجرة المؤن ، وأخرى تنزل السلم، و استمرت تلك الأصوات تزعجنا بدون انقطاع ، فتوصلت إلى قناعة بأن البيت مسكون من قبل روح تعسة معذبة ، وقد كنت اسمع عن الأرواح و البيوت المسكونة و لكني لم أشاهد أي منها من قبل و لم أكن اصدق بها.
في مساء الجمعة 31 مارس 1848 قررنا الذهاب إلى الفراش باكرا ، عزمنا على عدم إعارة أي اهتمام للأصوات الخفية المزعجة، وأن نأخذ قسطا وافرا من النوم بعد أن أتعبنا وأرهقنا أنفسنا في الليالي السابقة. كان الوقت مبكرا حين أوينا للفراش ، وكانت ليلة حالكة الظلام ، وكنت أشعر بالتعب والإجهاد بسبب عدم النوم ، كنت تقريبا مريضة، ولم يكن زوجي قد أوى إلى الفراش بعد حين سمعنا الدق مجددا ، وكنت قد تمددت في فراشي للتو، أما الصغيرتان فكانتا متمددات على السرير الآخر في الغرفة ، وقد حاولن تقليد الدق عن طريق طقطقة أصابعهن.
منزل عائلة فوكس قبل هدمه في مطلع القرن العشرين
ابنتي الصغيرة كاتي نادت ببراءة : ( أيها السيد ذو الخطوات الخفية افعل كما افعل أنا) ثم صفقت بيديها فجاء الرد سريعا بنفس عدد الصفقات! .. وعندما توقفت كاتي عن التصفيق توقف الدق لمدة قصيرة ، ثم قالت ابنتي الأخرى مارغريت وهي تقلد شقيقتها كأنهما يلعبان لعبة مسلية : ( و الآن افعل تماما كما افعل أنا ، احسب واحد ، اثنان ، ثلاثة ، أربعة ) قالت ذلك وهي تصفق بيدها ، فجاء الرد سريعا و بنفس العدد من الصفقات ، مارغريت شعرت بالخوف ولم تكرر الأمر لكن كاتي قالت بلهجة طفولية ساذجة : ( أوه .. أمي .. لقد عرفت سر الأصوات الخفية .. فغدا هو الأول من نيسان (كذبة نيسان) و يبدو أن احدهم يحاول استغفالنا والضحك علينا)!!.
ثم واتتني فكرة بأن أقوم باختبار لا أحد غيرنا في المكان يستطيع معرفة جوابه ، فطلبت من الصوت بأن يصفق بعدد سنوات عمر كل واحدة من بناتي على حدة ، فجاء الجواب سريعا و صحيحا! ، عمر كاتي ومارغريت، وأبنتي الكبرى المتزوجة ليا،  أعطي بدقة ، وقد توقف الصوت لفترة كافية للفصل بين عدد سنوات أعمارهن ، ثم توقف الصوت مرة أخرى لفترة أطول و صفق بعدها ثلاثة مرات .. وهو عدد سنوات ابنة لي ماتت في الصغر ولم يكن أحد في البلدة يعرف شيئا عنها.
ثم سألت مرة أخرى : (هل هو إنسان هذا الذي يجيب على أسئلتي بصورة صحيحة ؟ ) ، لكني لم احصل على جواب ، فسألت مرة أخرى : (هل هي روح ؟ إذا كانت كذلك فأجب بدقتين) ، وجاء الجواب سريعا بدقتين متواليتين فقلت متسائلة : (إذا كانت روح تعسة و معذبة فأجب بدقتين) ، وهذه المرة أيضا جاء الجواب سريعا بالإيجاب و بصوت قوي هز أركان البيت ، فسألت مرة أخرى : ( أين حصلت التعاسة لهذه الروح ؟ هل حدثت في هذا المنزل ؟) ، فجاء الجواب بالإيجاب كما في المرات السابقة بدقتين متواليتين ، وقلت مرة أخرى : (هل الشخص الذي سبب لك التعاسة لا يزال حيا ؟) ، فجاءت الإجابة مؤكدة بنقرتين ، و بنفس الطريقة استطعت أن أعرف بالتدريج بأن الروح تعود لرجل في الواحدة و الثلاثين من العمر قتل في هذا المنزل و دفنت جثته في القبو ، وبأنه متزوج ولديه خمسة أطفال ، ولدان و ثلاثة بنات ، و أن أطفاله ما زالوا على قيد الحياة بينما توفت زوجته.
و سألته مرة أخرى : ( هل ستستمر بالدق إذا استدعيت الجيران ليحضروا و يسمعوا أيضا ؟) ، فجاء الصوت موافقا بنقرتين و بصوت عالي. فذهب زوجي سريعا ليستدعي السيدة ريدفيلد ، وهي امرأة طيبة كانت أقرب الجيران إلينا ، وفي هذه الأثناء كانت ابنتاي تجلسان في السرير وهما ترتعدان خوفا، لكني لم أشعر بالخوف وكنت هادئة.
كانت الساعة تشير إلى السابعة و النصف مساءا حين وصلت السيدة ريدفيلد ، وكانت قد أتت على وجه السرعة ظنا منها بأن الأمر لا يعدو عن كونه مزحة ، وبأنها ستتمتع ببعض الضحك ، لكنها دهشت عندما رأت شحوب بناتي وإمارات الخوف بادية على وجوههن فعلمت بأن الأمر أكثر جدية مما حسبت . و من جديد قمت بتوجيه الأسئلة للروح، وكانت الأسئلة هذه المرة تخص السيدة ريدفيلد ، وذلك لكي تتأكد بأن الأمر حقيقي وليس مزحة، وقد أجابت الروح بدقة ووضوح، وأعطت عمر السيدة ريدفيلد بصورة صحيحة، فقامت هذه الأخيرة باستدعاء زوجها، وتم طرح أسئلة جديدة، وجاءت الإجابات صحيحة مرة أخرى.
بعدها قام السيد ريدفيلد باستدعاء السيد ديسلر و زوجته ، و كذلك السيد هايدي وزوجته، و السيدة جويل ، وأشخاص آخرين. و قام السيد ديسلر بطرح عدة أسئلة ، وقد حصل على الإجابات بنفس الطريقة (النقر والتصفيق) ، ثم قمت أنا بذكر أسماء جميع الجيران الذين اعرفهم و سألت الروح إن كان احدهم هو الذي تسبب له بالإساءة ، فلم احصل على جواب ، ثم سأل السيد ديسلر قائلا : (هل تم قتلك ؟ ) ، فجاء الرد بالإيجاب عاليا و متواصلا ، فتساءل السيد ديسلر مجددا : (هل يمكن لقاتلك أن يمثل أمام العدالة ؟ ) ، فلم يرد الصوت، وأردف ديسلر قائلا : ( هل يمكن أن تتم معاقبته بواسطة القانون ؟) ، وهذه المرة أيضا لم نحصل على إجابة ، ثم تساءل السيد ديسلر قائلا : ( إذا كان قاتلك لا يمكن أن يعاقب بواسطة القانون فأعلمنا بذلك ؟ ) وسرعان ما جاء الرد بالإيجاب.
و بنفس الطريقة استطاع السيد ديسلر معرفة أن صاحب الروح جرى قتله في غرفة النوم الشرقية قبل حوالي خمسة سنوات و أن مرتكب الجريمة هو السيد ..................... و أنها وقعت في ليلة الثلاثاء ، في الساعة الثانية عشرة بعد منتصف الليل ، و أن الجريمة نفذت ذبحا بواسطة سكين قصابة ثم سحبت الجثة إلى القبو ، لكنها لم تدفن حتى اليوم التالي ، وقد جرى دفنها على عمق عشرة أقدام تحت أرضية القبو، و كان المال هو الدافع الأصلي للجريمة.
(كم كان المال؟ .. هل كان مئة ؟) .. لا إجابة .. (مائتين ؟) .. لا إجابة .. وظل السيد ديسلر يعدد حتى وصل إلى خمسمائة .. حينها جاب الرد بالإيجاب. ثم جرى استدعاء الكثيرين، البعض منهم كانوا من الصيادين في النهر المجاور، و طرحت نفس الأسئلة مجددا و جاءت نفس الأجوبة. الكثيرين ممن حضروا بقوا في المنزل حتى ساعة متأخرة ، أما أنا و أطفالي فقد غادرنا المنزل بينما بقي زوجي والسيد ريدفيلد طوال الليل.
في اليوم امتلئ المنزل تماما بالزائرين الذين قدموا من جميع أرجاء البلدة والأماكن المجاورة لها لسماع الأصوات، لم تكن هناك أي أصوات في النهار ، لكنها عادت مرة أخرى في الليل ، وسمعها قرابة الثلاثمائة شخص ممن كانوا متواجدين في المنزل وحوله ، و في اليوم التالي تواصلت الأصوات حتى في النهار وسمعها عدد كبير من الناس.
وفي ليلة السبت 1 نيسان بدء الرجال بالحفر في القبو للتأكد من كلام الروح بوجود جثة فيه ، حفروا عميقا حتى وصلوا إلى الماء ولم يجدوا شيئا ، فتركوا الحفر ، وجاءت ابنتي الكبرى المتزوجة وأبني الشاب للنوم معنا ، و اختفت الأصوات في اليومين التاليين. ولم أسمعها مجددا حتى ليلة البارحة، حيث عادت أصوات الدق وتم تبادل الأسئلة مع الروح بالطريقة المعهودة.
أنا لست ممن يؤمنون بالبيوت المسكونة أو التجليات الروحية ، و أنا آسفة حقا للضجة التي سببها الأمر ، و الذي تسبب بدوره في الكثير من المتاعب لنا ، و حرمنا من السكن المريح في منزلنا . لكني في الحقيقة متلهفة إلى أن تعرف الحقيقية ، و أن يكتب تقرير صحيح و حيادي عما حصل في المنزل .
أخيرا فأنا اشهد بأن هذا النص المكتوب في هذه الشهادة الخطية قد قرأ علي كاملا، و هو صحيح وحقيقي ، و أنا مستعدة للقسم على ذلك إذا طلب مني.
التوقيع : مارغريت فوكس , 14 نيسان 1848"
هذا كان النص الكامل الذي كتبته السيدة فوكس عن الأحداث العجيبة والمخيفة التي جرت في منزلها قبل أكثر من قرن ونصف من الزمان ..
لكن هل انتهت القصة هنا ، كلا عزيزي القارئ .. فهي قد ابتدأت من هنا! ..
ماذا حصل بعد ذلك يا ترى؟؟.
لقد تمكن الجيران من عمل شفرة صوتية بينهم و بين الروح ، و ذلك عن طريق تبديل عدد النقرات بحروف ، فمثلا الحرف ألف يرمز لنقرة واحدة، الحرف باء لنقرتين .. الحرف هاء لخمسة نقرات .. وهكذا دواليك .. وبهذه الطريقة استطاعوا معرفة أن الروح تعود لشخص اسمه تشارلز روزنا ، و هو بائع متجول تم قتله في البيت قبل خمسة سنوات . وعاد الجيران للحفر بالقبو مجددا في الصيف ، وهذه المرة اكتشفوا خصلات شعر بشرية و عدة عظام و أسنان ، لكنهم لم يجدوا جثة كاملة.
الشقيقات فوكس .. صورة قديمة
بالنسبة للسيدة فوكس فقد روي بأن شعرها قد ابيض تماما بسبب الرعب الذي عاشته ، أما الفتاتين ، كاتي ومارغريت ، فقد أرسلت إحداهما إلى بيت أخيها و الأخرى إلى بيت أختها ، وكلاهما متزوجان ويعيشان خارج البلدة. وكانت المفاجأة الكبرى حين بدأت أصوات النقر الخفية تسمع في منزلي الأخ والأخت!، وكان ذلك دليلا برأي البعض على أن الفتاتين هن وسيطات روحيات بالفطرة ، وأنهن وجودهن في المنزل كان هو السبب الحقيقي في ظهور الأصوات أصلا ، ولولاهن لما تمكنت السيدة فوكس و جيرانها من التحدث إلى الروح . ولاحقا أصبحت تلك الأصوات تلاحق الفتاتين أينما حلتا وارتحلتا ، الكثير من الأرواح اتصلت بالشقيقتين لإيصال رسالة من العالم الآخر ، وهكذا أصبحت الشقيقتان،  بالإضافة إلى أختهن الكبرى ليا ، من أشهر الوسيطات الروحانيات في تاريخ الولايات المتحدة، ذاع صيتهن في أرجاء البلاد، وعرفن بأسم الأخوات فوكس (مارغريتا 1836-1893 ، كاتي 1838-1892 و ليا 1814-1890 ) ، وكانت جلسات تحضيرهن للأرواح تجري في المسارح الكبرى ويحضرها جمع غفير من الناس، لكن تلك قصة أخرى .. ربما سنرويها لاحقا في مقال ثاني.
قبل الختام .. إليك عزيزي القارئ المفاجأة الكبرى .. ففي عام 1904 .. أي بعد وفاة الشقيقات جميعا ، و بعد 56 عاما على سماع الأصوات لأول مرة ، تم عن طريق الصدفة اكتشاف هيكل عظمي كامل لرجل مدفون في قبو منزل عائلة فوكس في هادسفيل؟؟!!!!.

الاثنين، 31 مارس 2014

لغز جاك السفاح

مجموعة من الجرائم البشعة حدثت أواخر القرن التاسع عشر في لندن وبقيت حتى اليوم لغزا حير الباحثين وأعيى المحققين. فبرغم وجود عدد كبير من المشتبه بهم، إلا إن التهمة لم تثبت على أحد وظل المجرم مجهولا حتى هذه الساعة.
جاك السفاح كما تخيله الناس في القرن التاسع عشر حيث يتربص بالنساء الوحيدات و يقوم بالأعتداء عليهن و من ثم يقوم بتقطيع اجسامهن و العبث يها.
في أوائل شهر نوفمبر عام 1888 شهدت الضاحية الشرقية من لندن مسلسل من الجرائم الغامضة والمرعبة، حدثت خمسة جرائم راح ضحيتها خمسة نساء جميعهن من البغايا و الساقطات، و قد قتلن بنفس الطريقة تقريباً،  قطعت حناجرهن و استأصلت أعضائهن التناسلية، وتم التمثل بجثث أربع منهن بوحشية وقسوة منقطعة النظير.
الضحية الأولى كانت تدعى ماري آن نيكولاس وتلقب ببولي، وجدت مذبوحة في 31 أغسطس 1888 ، وقد وصفت الصحافة جريمة مقتلها بالبشعة والفظيعة ؛ الضحية الثانية كانت تدعى آني جبمان، عثر على جثتها في 8 سبتمبر 1888 مذبوحة أيضا و قد مثل القاتل بجثتها بوحشية فشق بطنها وأستخرج أحشاءها ؛ الضحية الثالثة و الرابعة قتلن في نفس اليوم في 30 سبتمبر 1888 حيث عثر حوذي علي جسد الأولى بينما كان يقود عربته متوجهاً إلى عمله، وتم التعرف عليها، وهي بغي أسمها إليزابيث سترايد،  وقد ذبحت من الوريد إلى الوريد مثل الأخريات، أما الضحية الأخرى فكانت كاترين إدويس، قطعت حنجرتها وتم تشويه وجهها بفظاعة بحيث وجدت الشرطة صعوبة في التعرف عليها، كما قام القاتل باستخراج أحشاءها ولف جزء من أمعائها حول رقبتها.
الصور التي نشرتها صحف ذلك الزمان لضحايا جاك السفاح
الجريمة الأخيرة كانت الأشد بشاعة والأكثر هولا، لأن القاتل حصل هذه المرة على فسحة كافية من الوقت ليعبث بجثة ضحيته ويمزقها كيفما شاء، فقد عثر على الضحية الخامسة و الأخيرة، وتدعى ماري جين كيلي، مذبوحة في شقتها في التاسع من نوفمبر 1888، وهذه المرة لم يكتف القاتل بقطع حنجرة ضحيته فقط بل قام بفصل رأسها عن جسدها ثم بقر بطنها و استخرج أحشائها الداخلية وقطع ثدييها و بتر ذراعيها، كما قام بنزع اللحم عن رجلها و وجهها .. الأمعاء والكليتين اختفت تماما ولم يعثر رجال الشرطة عليها، في حين وضع القاتل الكبد بين قدمي الضحية، ووضع ثدييها و أنفها على الطاولة.
و بهذه الجريمة البشعة انتهى مسلسل القتل فجأة كما بدء أول مرة، وبدئت بنهايته حقبة طويلة من التحقيق والبحث المحموم والتحري المكثف للكشف عن ملابسات القضية التي حيرت المحققين و الباحثين لقرن من الزمن. لكن برغم كل الجهود الجبارة التي أضطلع بها رجال اسكتلنديارد فأن القاتل ظل مجهولا ولم توجه تهمة القتل إلى احد.
لعقود طويلة تراكمت الكثير من الفرضيات و النظريات حول هوية جاك السفاح الحقيقية، لكنها بقيت مجرد احتمالات وتكهنات يصعب إثباتها، كان هناك الكثير من المشتبه بهم، أشهرهم الدوق ألبرت حفيد الملكة فيكتوريا الذي وجهت له أصابع الاتهام من قبل بعض الذين كتبوا عن القضية، والذين افترضوا بأن الدوق أصيب بمرض الزهري (السفلس) مما دفعه للجنون (الجنون هو من مضاعفات مرض الزهري) فأرتكب تلك الجرائم البشعة.
السير وليم غول طبيب البلاط الملكي كان أحد المشتبه بهم أيضا، وقد ظهر في العديد من الروايات والأفلام على أنه الشخص الذي يقف وراء جرائم جاك السفاح، ولعل السبب الرئيسي في الشكوك التي حامت حول الطبيب تعود إلى حرفية جاك السفاح في تقطيع أوصال ضحاياه، كان عمله متقنا وليس تمثيلا عشوائيا، مما دفع بالكثيرين إلى الاعتقاد بأن القاتل هو طبيب متمرس وخبير في علم التشريح.
مشتبه به آخر هو مونتغيو جون دروت، كان محاميا فاشلا ومضطربا عقليا انتحر بإلقاء نفسه في نهر التايمز في ديسمبر 1888 وقد أدى تزامن موته مع انتهاء مسلسل القتل إلى جعل الشكوك تحوم حوله ؛ وهناك أيضا مشتبه به يدعى روبرت ستيفنسن، وهو كاتب مولع بالشعوذة والسحر الأسود، و قد جعله ولعه هذا محلا للريبة، حيث ظن بعض المحققين بأنه أقترف الجرائم كضرب من الطقوس السحرية، وتزايدت الشكوك حوله باضطراد بعد أن اختفى كلياً في عام 1904.
أخيرا وليس أخرا، هناك قاتل يدعى توماس نيل حكم عليه بالموت في أمريكا، وقد صرخ من فوق منصة الإعدام .. "انا جاك الـ .." قبل أن يقطع حبل المشنقة جملته.
في الحقيقة هناك الكثير من المشتبه بهم في قضيه جاك السفاح ممن يطول ذكرهم وتعدادهم، لكن وكما أسلفنا سابقا فأن التهمة لم تثبت على احد وظلت القضية لغزاً محيراً تحول بمرور الأيام وانقضاء السنين إلى أسطورة مخيفة ألهبت حماس محبي قصص الرعب حول العالم.

السبت، 29 مارس 2014

منزل الأشباح في مزرعة الآس .. أشهر منزل مسكون في أمريكا

المنازل القديمة تحمل بين طياتها ذكريات كثيرة لأناس عاشوا في كنفها سنوات طويلة ثم فارقوها و رحلوا عنها ‏إلى الأجداث تاركين خلفهم صمتا مطبقا بعد أن كانت أحاديثهم و ضحكاتهم تملئ الأفاق. لكن أحيانا وفي حالات ‏نادرة , تحتوي جدران تلك المنازل العتيقة على أمور أكثر من الذكريات , أمور تظهر حينا كأصوات مكتومة و ‏خطوات صامتة لا يعلم مصدرها احد و طورا تتجلى في صورة وجوه شاحبة مخيفة تطل من عالم آخر لتثير في ‏نفوس الأحياء رعبا و هلعا لا يوصف. البعض يسميها أشباح و يربطها بأرواح الموتى زاعما أنها تبقى , لسبب ‏غير معروف , في البقعة التي ماتت فيها. و المنزل الذي سنكتب عنه اليوم هو احد أكثر تلك البقع الموحشة ‏ازدحاما بالأشباح!! حتى انه استحق عن جدارة لقب "أشهر منزل مسكون في أمريكا".‏
منزل الاشباح في مزرعة الآس
"أشباح! .. هل تمزح؟!" ضحكت فرانسيس تعليقا على القصة التي رواها لها الرجل العجوز الذي يدير المنزل ثم أردفت بنبرة يشوبها شيء من التحدي : "لا يوجد شيء اسمه أشباح يا سيدي , هذه مجرد خرافات و لكي اثبت لك ذلك سأبيت هنا الليلة .. احجز لي غرفة رجاءا و سنرى من سيخيف الآخر , أنا أم أشباحك القديمة المهترئة؟".
لم يجادلها الرجل العجوز , سجل اسمها في دفتره ثم ناولها مفاتيح غرفتها و تمنى لها ليلة سعيدة. كان العجوز رجلا وقورا محترما يتحدث بلباقة وأدب جم , لكن فرانسيس انزعجت من تلك الابتسامة الخبيثة التي لم تبرح شفتاه والنظرة الساخرة التي كانت تبرق في عيناه.
"أي مجنون يصدق هراء الأشباح!" تمتمت فرانسيس مع نفسها و هي تغالب النعاس على السرير الوثير الذي يتوسط الغرفة الصغيرة التي استأجرتها تلك الليلة , ولم تمض سوى لحظات حتى استسلمت لجفونها الثقيلة المتعبة و غطت في نوم عميق.
حينما فتحت فرانسيس عينها مرة أخرى لم تكن تعلم كم هو الوقت , هل بزغ الفجر ؟ كان هناك ضوء اصفر خافت يتراقص على الجدار , شعرت بكآبة غريبة تسيطر على مشاعرها , أصبح هواء الغرفة ثقيلا  بصورة مزعجة و أحست كأن شيء ما يقبع فوق صدرها , أدارت جسدها ببطء نحو الجزء الأخر من السرير لكنها تجمدت مكانها فجأة و اجتاحها خوف رهيب , لقد كانت هناك امرأة سوداء تقف عند حافة السرير تحدق إليها , كانت تحمل بيدها شمعة وتضع على رأسها قلنسوة خضراء , ملابسها غريبة و قديمة الطراز.
صرخت فرانسيس و دفنت رأسها تحت اللحاف ثم مرت لحظات سادها صمت وسكون عجيب.
"ربما تكون خدعة أو مزحة سمجة قام بها ذلك العجوز" حدثت فرانسيس نفسها و هي تخرج رأسها شيئا فشيئا من تحت الغطاء , كانت المرأة السوداء لاتزال واقفة في مكانها كالتمثال , بدت حقيقية إلى درجة ان لهب شمعتها كان يتراقص و ينبعث عنه خيط رفيع من الدخان , تشجعت فرانسيس ومدت يدها ببطء نحو المرأة , لكن أصابعها المرتجفة لم تكد تصل إليها حتى اختفت و تلاشت كالدخان.
في صباح اليوم التالي لم تكن السيدة فرانسيس مايرز تؤمن بالأشباح فحسب بل إنها ستؤلف مستقبلا كتابا حول تجربتها الشخصية مع أشباح منزل الآس (1) , تلك التجربة التي دفعتها لاحقا لنبش تاريخ المنزل ثم شراءه لتصبح واحدة من بين الأسماء الكثيرة التي امتلكته طوال قرنين من الزمان.

شبح الخادمة كلوي

فلم باتجك سلافيسا
صورة مزعومة للشبح كلوي التقطها احد مالكي المنزل
في مطلع القرن التاسع عشر كانت العبودية جزءا رئيسيا من الحياة الأمريكية خصوصا في الجنوب حيث مزارع القطن الشاسعة , ومزرعة الآس (Myrtles Plantation ) حالها حال المزارع الأخرى كانت تمتلك المئات من العبيد , كانوا يعيشون حياة بائسة , يعملون طوال النهار في الحقول و يباتون ليلهم في أكواخ حقيرة بائسة لا تصلح حتى كزرائب لعيش الحيوانات , لكن ما خفف من شقائهم قليلا هو طيبة قلب مالكة الأرض السيدة إليزابيث بوتر التي ورثت المزرعة و ما عليها من زوجها و قامت بإدارتها بشكل جيد لسنوات طويلة.
مرت السنين و تقدمت السيدة بوتر في السن فلم تعد قادرة على مراقبة العبيد و متابعة العمل في الحقول , و لأن أي من أبناءها الأربعة الذين يعيشون في المدينة لم يرغب في إدارة المزرعة , لذلك اضطرت العجوز إلى إيكال هذه المهمة إلى كلارك وودروف زوج ابنتها سارا التي كانت تعيش معها في المنزل برفقة ابنتيها كارولينيا و ماري.
كان وودروف إنسانا انتهازيا اشتهر برداءة الطباع. كان يعامل العبيد بقسوة وعرف عنه اتخاذه لخليلات من الزنجيات العاملات لديه , كانت لديه طرقه في إغوائهن و إغرائهن و إجبارهن , وكانت الخادمة كلوي هي إحدى تلك الخليلات , كان وودروف يهددها بإعادتها للعمل الشاق في الحقول إذا لم تستجب لنزواته الحيوانية لذلك كانت تطيعه و تنفذ جميع رغباته , لكنه بدأ يمل منها بالتدريج ثم هجرها واتخذ لنفسه خليلة أخرى.
عاشت كلوي في رعب مستمر منذ أن هجرها وودروف و لم يعد يهتم لشأنها , كانت خائفة من أن تتم إعادتها للعمل في الحقول , كان الأمر أشبه بإخراجها من الجنة لكي ترمى في الجحيم. لهذا أخذت كلوي تتصنت على أحاديث وودروف مع زوجته و حماته لترى إن كانوا يذكرون اسمها أو يقولون شيئا عن إعادتها للعمل في الحقول. و لسوء حظ كلوي المسكينة , امسك بها وودروف متلبسة وهي تتصنت على أحاديث العائلة لذلك قرر معاقبتها لتصبح عبرة للآخرين , قام بسحبها أمام بقية الخادمات ثم اخرج سكينا وقطع إذنها , ومنذ ذلك الحين أخذت المسكينة كلوي ترتدي قلنسوة خضراء لتغطي الأثر المشوه لأذنها المقطوعة.
ماذا حدث بعد ذلك ؟ هنا تختلف الرواية لكن النتيجة واحدة , فهناك فريق يزعم بأن كلوي أرادت استعادت ثقة العائلة مرة أخرى فقامت بوضع مقدار من السم في كعكة طلبت منها السيدة وودروف صنعها من اجل الاحتفال بعيد ميلاد ابنتها كارولينيا. لقد اعتقدت الساذجة كلوي بأن السم سيجعل العائلة تمرض فقط فتقوم هي بعيادتهم و تحظى بثقتهم و حبهم من جديد. وهناك فريق ثاني يزعم أن كلوي وضعت السم في الكعكة بغرض الانتقام من وودروف. لكن على العموم و أيا ما كان السبب الذي دفع كلوي لتسميم الكعكة فأن النتيجة كانت مأساوية و محزنة بكل معنى الكلمة , إذ إن وودروف نفسه لم يأكل من الكعكة لكن زوجته الحامل و طفلتاه فعلتا وسرعان ما ظهرت عليهن أعراض التسمم و فارقن الحياة في نفس اليوم.
كان غضب و حزن كلارك وودروف لا يوصف , و بسبب خشية العبيد من أن يطالهم انتقامه توجه البعض منهم إلى الكوخ الذي كانت كلوي تختبئ فيه و قاموا بجرها إلى منزل الآس حيث وضعوا حبلا في عنقها و شنقوها على أغصان إحدى الأشجار المقابلة للمنزل , ثم انزلوا جثتها و قاموا بتقطيعها إلى أجزاء صغيرة سحقوها بالحجارة و رموها في مياه نهر الميسيسيبي المحاذي للمزرعة.
كانت تلك الليلة هي الأكثر دموية و مرعبة في تاريخ المزرعة , اختلطت فيها رائحة الدم و الموت مع صرخات وودروف الغاضبة و المجنونة , وحين بزغ الفجر , ألقى وودروف نظرة أخيرة على غرفة الطعام التي ماتت فيها زوجته و طفلتيه , ثم اقفل بابها بأحكام و منع أي شخص من دخولها حتى آخر يوم في حياته , و اليوم يسمى الزوار تلك الغرفة بـ "غرفة اللعب" حيث يزعم البعض أن أصواتا لأطفال يلعبون و يضحكون تصدر عنها في بعض الليالي , لكن عندما يتم تفقد الغرفة يجدونها فارغة دائما.
كما ان بعض المارة من أمام المنزل يشاهدون أحيانا في الليالي المقمرة شبح طفلة تقفز و تضحك عند نافذة  غرفة اللعب , و يؤمن الكثير من الناس بأن هذه الأصوات و الأشباح تعود إلى بنات وودروف البريئات اللائي فقدن حياتهن يوم الحادث.
الشبح الأشهر في المنزل هو شبح السيدة السوداء ذات القلنسوة الخضراء , و الذي يعتقد الكثير من الناس انه شبح كلوي , ويقال أنها تتجول ليلا في أرجاء المنزل تحمل بيدها شمعة ويصحبها صوت خفي لنحيب و بكاء أطفال صغار , و قد تمكن احد مالكي المنزل من التقاط صورة مزعومة للشبح , وهذه الصورة تباع اليوم كتذكار للزوار التواقين لسماع قصص الأشباح , كما زعم عدد ممن باتوا ليلتهم في المنزل بأنهم استيقظوا في ساعة متأخرة من الليل ليشاهدوا امرأة سوداء تحمل بيدها شمعة وتقف عند حافة أسرتهم تحدق إليهم بغرابة.

المزيد من الأشباح

ربما كانت الميزة الأشهر لمنزل مزرعة الآس هي تعدد أشباحه , وقد أوجبت له هذه الميزة الحصول على لقب "أشهر منزل مسكون في أمريكا" عن جدارة , ويقال أن المنزل ملعون لأنه بني فوق مقبرة قديمة للهنود الحمر , وأن من بين أشباح المنزل العديدة هناك شبح لامرأة من الهنود الحمر. فيما يذهب رأي أخر إلى أن تعدد أشباح المنزل مرتبط بتاريخه الدموي حيث يزعم أصحاب هذا الرأي وقوع إحدى عشر جريمة قتل داخله.
من هذه الجرائم , مقتل لويس ستيرلنك اثر تلقيه عدة طعنات بالسكين داخل المنزل , و لويس هذا هو ابن احد ملاك المزرعة خلال القرن التاسع عشر.
هناك أيضا ثلاثة جنود اتحاديين اختبئوا و قتلوا داخل المنزل خلال إحدى معارك الحرب الأهلية الأمريكية , و يقال إن بقعة دم كبيرة على شكل إنسان ظلت تغطي أرضية الغرفة الذي قتل فيها احد هؤلاء الجنود و لم تفلح جميع محاولات إزالتها حتى اختفت من تلقاء نفسها بعد عدة سنوات.
في عشرينيات القرن المنصرم , عثرت الشرطة على جثة احد أبناء عائلة ويليمز المالكة للمنزل آنذاك مقتولا , و يبدو انه فقد حياته على يد بعض اللصوص الذين حاولوا سرقة المزرعة.
وليم ونتر هو أشهر المقتولين في المنزل , كان محاميا و صهرا للسيدة ماري كوب مالكة المزرعة وكان يعيش معها في منزل الآس برفقة زوجته و أطفاله. في إحدى ليالي عام 1871  ناداه شخص مجهول طالبا رؤيته في الخارج للتحدث معه , وما أن خرج ونتر من المنزل حتى أصابته رصاصة قاتلة , لكنه لم يمت في الحال , بل زحف عائدا إلى داخل المنزل رغم جراحه , و استمر بالزحف نحو السلم المؤدي إلى الطابق الثاني , كان يحاول الصعود لكي يموت في أحضان زوجته الحبيبة النائمة مع الأطفال في إحدى الغرف , لكن المسكين خارت قواه و لفظ أنفاسه الأخيرة عند الدرجة السابعة عشرة من السلم.
و يقال أن شبح وليم ونتر لازال يحاول الصعود إلى الطابق الثاني حتى اليوم لكنه يفشل في كل مرة وأن خطواته لازالت تسمع في بعض الليالي وهي ترتقي السلم باتجاه الأعلى لكنها تتوقف و تتلاشى دائما عند الدرجة السابعة عشر ولا تتجاوزها , أي بالضبط كما حدث معه أثناء موته.
فلم باتجك سلافيسا
مرآة الاشباح في منزل الآس
هناك غرائب أخرى في منزل الآس , إحداها هي مرآة قديمة يقال أنها احتبست في داخلها أرواح بعض الذين لفظوا أنفاسهم داخل المنزل ولهذا تظهر عليها آثار بصمات يد مجهولة كأنما هناك من يحاول كسرها و الخروج منها. وقد حاول احد مالكي المنزل ممن كانوا يسخرون من قصص الأشباح إزالة هذه البصمات عن طريق تبديل زجاج المرآة , لكنه وقف مذهولا بعد عدة أيام حين عاودت البصمات الظهور على الزجاج الجديد.
ومن غرائب هذه المرآة أيضا هو ظهور شبح فتاة تهبط السلم وهي تغني و ترقص ثم تتوقف أمام المرآة فتتغير ملامحها إلى الخوف و الغضب و تبدأ تجول بنظرها داخل المرآة كأنما تبحث عن شيء مفقود , و يقال أن هذا الشبح هو لفتاة تعرضت للقتل داخل المنزل لسبب مجهول بينما كانت واقفة أمام المرآة , ولأنها لم تستطع رؤية وجه قاتلها لهذا فأن شبحها الغاضب يجيل النظر داخل المرآة عسى أن تلمح انعكاس وجه القاتل فترتاح روحها المعذبة.
احد الألغاز المحيرة أيضا هو بيانو موضوع في إحدى الغرف , زعم بعض من امضوا ليلتهم في المنزل بأنهم سمعوا صوته وهو يعزف طوال الليل , والغريب هو أن العازف المجهول لا يجيد سوى مقطوعة واحدة فقط يستمر في تكرارها مرة بعد الأخرى. كان العزف يتوقف إذا دخل شخص ما إلى الغرفة ليتحقق من مصدر الصوت , وبالطبع كان سيجدها خالية و يشاهد لوحة مفاتيح البيانو مغلقة , لكن ما أن يغادر الغرفة حتى يعود صوت العزف مرة أخرى!.
في عام 1985 حصل فريق تصوير احد المسلسلات التلفزيونية بعنوان (The Long Hot Summer ) على الإذن من مالك المنزل لتصوير بعض المشاهد داخله , وقد مر طاقم التصوير هذا بتجربة محيرة داخل المنزل.
ففي احد المشاهد قام الطاقم بإزاحة أثاث "غرفة اللعب" وجمعه عند إحدى الزوايا من اجل تصوير لقطة تتطلب ذلك , و بعد أن أكملوا تصوير لقطتهم تلك انتقلوا إلى الغرفة المجاورة لإكمال المشهد. لكن بعد عدة دقائق حين عاد الفريق إلى "غرفة اللعب" كانت تنتظرهم مفاجأة كادت أن تفقدهم صوابهم , فجميع قطع الأثاث التي كانوا قد أزاحوها كانت قد عادت إلى مكانها بالضبط! , كانت صدمة حقيقية للطاقم لأنهم كانوا متأكدين من أن أحدا لم يدخل إلى موقع التصوير أثناء فترة انتقالهم القصيرة إلى الغرفة المجاورة. بسرعة قام طاقم التصوير بجمع معداته و فروا على عجل إلى منزل آخر ليكملوا تصوير مشاهدهم هناك.
في عام 2001 واجه احد البرامج الوثائقية مشاكل تقنية عديدة لا يمكن تفسيرها أثناء تصوير حلقة عن المنزل , مثل انقطاع الكهرباء بدون مبرر واختفاء بعض اللقطات من كاميرا التصوير و انفصال بعض كابلات معداتهم من تلقاء نفسها.
هناك أيضا قصة احد حراس البوابة المؤدية إلى المنزل , إذ كان يؤدي نوبة حراسته مساء احد الأيام حين ظهرت أمامه فجأة امرأة ترتدي ملابس بيضاء وعبرت البوابة من دون أن تلتفت إليه رغم انه نادى عليها لأكثر من مرة مما اضطره إلى محاولة اللحاق بها , لكن المسكين أصيب برعب لا يمكن وصفه حين تلاشى جسد المرأة عند مدخل المنزل , وفي اليوم التالي استقال الحارس المصدوم من عمله و لم يعد إلى منزل الآس مرة ثانية.
فلم باتجك سلافيسا
البيانو الذي يعزف من تلقاء نفسه!!
هناك قصص عن أشباح أخرى داخل المنزل , اغلبها لأطفال صغار , ربما لأن عدد كبير منهم ماتوا داخل المنزل خلال قرنين من الزمان. كما أن عدد أشباح المنزل تزايد باضطراد منذ أن أصبح قبلة للزوار و السياح خلال النصف الثاني من القرن المنصرم , إذ زعم العديد من أولئك الزوار رؤيتهم لأشباح و ادعى بعضهم سماعهم أصوات أو مشاهدة أمور غريبة لم يستطيعوا تفسيرها مثل تحرك الأثاث و فتح أبواب الغرف و غلقها من تلقاء نفسها و سماع خطوات خفية تتجول داخل المنزل من دون أن يستطيعون رؤية أصحابها.

ماذا يقول التاريخ الرسمي للمنزل ؟

ربما يتمنى البعض من عشاق قصص الأشباح أن تنتهي مقالتنا هنا , حيث منزل مزرعة الآس القديم يعج بالأشباح التائهة و الأرواح المعذبة و العديد من الأمور الغريبة التي يعجز المنطق السليم عن تفسيرها , لكن ذلك ليس من شيم موقعنا الذي اعتاد على تقديم وجهات نظر و تفسيرات مختلفة للقضايا التي يتناولها تاركا الحكم الأخير فيها للقارئ.
يبدأ تاريخ المنزل مع ديفيد برادفورد , و هو ابن مهاجر ايرلندي درس القانون و زاول المحاماة ثم تم تعيينه أول وكيل قضائي في مقاطعة واشنطن بعد حرب الاستقلال عن بريطانيا (2) , لكنه ترك منصبه و هرب إلى لويزيانا (تحت سيطرة الأسبان آنذاك) بعد صدور أمر إلقاء قبض عليه لدوره في (ثورة الويسكي) عام 1791.
في لويزيانا قام برادفورد عام 1794 بشراء مساحة كبيرة من الأرض المحاذية لنهر الميسيسيبي و شيد فوقها منزلا كبيرا مكونا من ثمان غرف و هو المنزل الذي سيعرف لاحقا بأسم منزل مزرعة الآس.
بعد بناءه المنزل أرسل برادفورد في طلب زوجته إليزابيث بوتر و أطفاله الخمسة , و قد استقرت العائلة في المنزل و عاشت فيه حتى بعد أن حصل برادفورد على عفو رئاسي عام 1799.
قبل وفاته عام 1808 اتخذ برادفورد تلميذا اسمه كلارك وودروف درسه أصول القانون. و وودروف هذا هو نفس الشخص الذي تبدأ معه أسطورة أشباح منزل مزرعة الآس.
وودروف تزوج ابنة أستاذه الجميلة سارة برادفورد عام 1817 ثم أصبح القائم بأعمال عائلة برادفورد و سكن مع زوجته و حماته و أطفاله الثلاثة كارولينيا و جيمس و ماري داخل منزل مزرعة الآس.
في عام 1823 ماتت سارة برادفورد و تبعها ابنها جيمس في العام التالي 1824 ثم ابنتها الكبرى كارولينيا عام 1825 و جميعهم ماتوا بسبب أصابتهم بمرض الحمى الصفراء , و اعتقد انك عزيزي القارئ تلاحظ هنا الاختلاف الواضح بين الحقائق التاريخية و الأسطورة , ففي قصة الخادمة كلوي تموت الزوجة سارة و طفلتيها بالسم بينما الحقيقة التي توثقها سجلات الكنيسة التي كان إفراد العائلة يترددون إليها , تقول بأن سارة برادفورد و طفليها جيمس و كارولينيا فارقوا الحياة بمرض الحمى الصفراء بفارق عام بين وفاة كل منهم , و الأطفال المتوفين هم ولد و بنت و ليس بنتان كما في الأسطورة.
أضف إلى ذلك أن جميع السجلات والوثائق التاريخية لا تذكر أي شيء عن وجود خادمة من العبيد اسمها كلوي كانت تعيش يوما ما في المزرعة , كما لا يوجد أي دليل تاريخي يثبت ان وودروف كان يستغل زنجيات المزرعة جنسيا.
بعد وفاة زوجته و طفليه وموت حماته إليزابيث عام 1830 , ترك كلارك وودروف مزرعة الآس و انتقل إلى مدينة لويزيانا حيث عاش مع ابنته الوحيدة ماري وزوجها حتى فارق الحياة. و لاحظ هنا أن ماري هذه يفترض أنها ماتت بالسم مع أمها و أختها حين كانت طفلة!. لكن ماري الحقيقية عاشت حتى تزوجت و أنجبت و شهدت موت والدها العجوز عام 1851.
عام 1834 اشترى رافن غراي ستيرلنك المزرعة و ما عليها من وودروف , كانت عائلة ستيرلنك غنية لذلك صرفت أموالا طائلة على ترميم المنزل و توسيعه إلى الشكل الذي هو عليه اليوم بحيث أصبح حجمه ضعف حجم المنزل الأصلي الذي بناه برادفورد أواخر القرن الثامن عشر , وقام السيد رافن باستيراد أثاث فاخر من أوربا خصيصا لمنزله الجديد.
رغم الأموال الطائلة التي أنفقتها عائلة ستيرلنك على المنزل إلا إن حياتها داخله تواكبت مع الكثير من المصائب و المحن , فمن بين الأطفال التسعة للسيد رافن ستيرلنك و زوجته ماري كوب , أربعة فقط هم من وصلوا إلى سن الرشد و تزوجوا أما البقية فقد ماتوا جميعهم بمرض الحمى الصفراء , لكن أيا منهم لم يقتل في المنزل كما تقول الأساطير.
السيد رافن ستيرلنك نفسه مات في المنزل عام 1854 بسبب إصابته بمرض السل , وبعد موته قامت زوجته بإدارة المزرعة بأحسن صورة لعدة سنوات ازدهرت خلالها أعمال العائلة وازدادت ثروتها , لكن المصائب كما يبدو أبت أن تفارق العائلة إذ أصيبت بانتكاسة مالية كبيرة خلال الحرب الأهلية الأمريكية (4) و قام جنود الاتحاد (أي التابعين للعاصمة واشنطن) بنهب المزرعة و تحطيم ممتلكاتها بعد هزيمة المقاطعات الانفصالية , وهنا أيضا تختلف الحقيقة عن الأسطورة , فسجلات الجيش الأمريكي لا تسجل أي حادثة قتل تعرض لها جنودها داخل مزرعة الآس و لا يوجد أي دليل تاريخي يثبت مقتل ثلاث منهم داخل منزلها.
في عام 1865 سلمت ماري كوب إدارة المزرعة إلى زوج ابنتها وليم ونتر الذي كان يعيش معها في منزل الآس برفقة زوجته و أطفاله الخمسة , كانت المزرعة آنذاك , و بسبب النكبات المتلاحقة , مدينة بمبالغ كبيرة للبنك الذي قام بالحجز عليها , إلا أن ونتر استطاع سداد الديون واستعادة المزرعة عام 1867.
في عام 1868 ماتت الطفلة كاتي ابنة ونتر بسبب إصابتها بالتيفوئيد .
في ليلة 26 كانون الثاني / يناير من عام 1871 بينما كان وليم ونتر في المنزل مع عائلته اقترب رجل يمتطي صهوة حصان من المنزل و ناداه بأسمه مطالبا إياه بالخروج لكي يتحدث معه في شأن ما , حين خرج وليم لم يكن مسلحا لأنه ظن بأن الرجل يعرفه , لكن لم تمض سوى لحظات على خروجه حتى سمعت زوجته صوت عدة أطلاقات نارية فهرعت إلى الخارج لتجد زوجها مقتولا يتخبط في دمه فيما لاذ القاتل بالفرار من دون ان يستطيع رؤيته احد و بقى لغز هويته بلا حل إلى يومنا هذا. في الحقيقة أن جريمة مقتل وليم ونتر هي حادث القتل الوحيد الذي يمكن إثباته تاريخيا من بين جميع الجرائم المزعومة التي اقترفت في المزرعة.
صحيح أن وليم ونتر تم قتله غدرا أمام منزله و لم يعرف من هو قاتله إلى اليوم , لكن لا يوجد أي دليل على أن الرجل لم يمت في الحال و انه زحف إلى الداخل و حاول ارتقاء السلم إلى الطابق الثاني ليفارق الحياة عند الدرجة السابعة عشر!.
بعد مقتل ونتر عاشت عائلة ستيرلنك في المنزل حتى عام 1878 حيث ماتت ماري كوب فنشب نزاع بين أبنائها حول الإرث , كانت المزرعة لاتزال مدينة بقروض كثيرة , لذلك قام احد الأشقاء و اسمه ستيفان بشراء حصص إخوته ثم باع المزرعة عام 1886 , و يقال انه خسرها في لعبة قمار.
بيعت المزرعة أكثر من مرة قبل أن تستقر ملكيتها أخيرا عند هاريسون وليمز في عام 1889 , وقد انتقلت عائلة وليمز للعيش في منزل المزرعة وبذلت جهدا جبارا خلال السنوات التالية في محاولة إصلاح أحوال الحقول التي أهملت و أصابها الخراب لسنوات طويلة , وبالفعل تكللت جهود العائلة بالنجاح وعاد الازدهار الى المزرعة مرة أخرى.
لم يخلوا عهد عائلة وليمز في المزرعة من بعض الحوادث المؤلمة , فأحد أبناء السيد وليمز و اسمه هاري مات غرقا في نهر الميسيسيبي خلال عاصفة هوجاء ضربت المنطقة. وفي عام 1927 قتل اللصوص احد أفراد العائلة في كوخ داخل المزرعة , لكنه لم يمت داخل منزل الأشباح.
وخلال عهد عائلة وليمز أيضا ظهرت لأول مرة حكاية شبح الخادمة كلوي , القصة بدأت بمزحة حيث أن عمة عجوز كانت تعيش مع العائلة لفترة طويلة أخبرتهم مرارا عن رؤيتها لشبح امرأة سوداء تتجول داخل المنزل. في البداية وجدت العائلة في القصة مناسبة للضحك إلا أنها سرعان ما انتشرت بين عمال المزرعة و المزارعين في البلدات القريبة , وهكذا بدأ السكان يتداولون قصة كلوي الخادمة للمرة الأولى.
أقامت عائلة وليمز في المزرعة لستين عاما حتى باعها الورثة عام 1950 إلى أرملة غنية تدعى ماجوري مانسون , وقد انتبهت تلك الأرملة خلال فترة إقامتها في منزل المزرعة إلى حدوث أمور غريبة لم تستطع تفسيرها لذلك أخذت تبحث في تاريخ المنزل و تسأل العجائز من جيرانها المزارعين , و هكذا بدأت قصص الأشباح تتوالى و اكتسب المكان شهرته كمنزل مسكون خلال العقود التالية.
خلال الستين عاما المنصرمة تم بيع و شراء المنزل مرات عديدة وقد استقرت ملكيته اخيرا عند جون و تيتا موسز اللذان حولاه إلى معلم سياحي يقدم لزواره فرصة المبيت مع تقديم وجبة فطور عند الصباح إضافة إلى جولة في أرجاء المنزل و المزرعة.
المنزل أضيف إلى قائمة الأماكن التاريخية الوطنية الأمريكية في عام 1978.

أين الحقيقة ؟

فلم باتجك سلافيسا
هل المنزل مسكون حقا بالأشباح ؟
عزيزي القارئ , إن السجلات و الوثائق التاريخية لا تشير إلى وجود شخصية الخادمة كلوي , لكن الإنصاف و الأمانة التاريخية تدفعنا إلى التنويه بأن ألاف العبيد السود قضوا نحبهم تحت ظروف لا إنسانية في مزارع البيض , خصوصا في جنوب الولايات المتحدة , حيث لم يكن عجيبا أن تتم معاقبة هؤلاء العبيد بشدة كأن يجلدوا أو تقطع أذانهم و ألسنتهم أو أن يقتلوا لأتفه الأسباب , و لم يكن مستغربا أيضا أن يقوم السادة البيض باغتصاب النساء السود. لذلك فأن عدم وجود اسم الخادمة كلوي في سجلات مزرعة الآس لا يعني بالطبع أن المزرعة لم تشهد معاناة و موت العديد من العبيد. وربما يكون منشأ أسطورة الخادمة كلوي يعود في الأصل إلى هؤلاء العبيد الذين كانوا يجدون في القصص و الحكايات الخيالية ملاذهم الوحيد من الحياة القاسية و الوحشية التي كانوا يكابدونها.
ثم أن هناك سؤال أخر يطرحه المؤمنين بقصص الأشباح عن مدى استيعاب التاريخ لكل الأحداث التي مرت على المزرعة خلال قرنين من الزمان ؟ يا ترى الم تقع حوادث طواها النسيان وسقطت من أوراق التاريخ الصفراء  أحداث اعتقد المؤرخون أن لا أهمية لذكرها ؟ لا تنس عزيزي القارئ بأننا نتكلم عن قرنين من الزمان و هي مدة لو قستها على تاريخ بلداننا لعرفت كم هي طويلة. فهناك في مدننا و حاراتنا القديمة بيوت قد لا يعلم سوى الله متى شيدت , فهل يستطيع احد أن يخبرنا عن تاريخها بالكامل وعن الأحداث التي رافقت حياة عشرات الأشخاص الذين سكنوها و رحلوا عنها إلى المقابر. نحن هنا لا نتكلم عن ثورات أو حروب أو كوارث طبيعية و إنما عن حياة الناس البسطاء. يا ترى هل يذكر التاريخ قصص الحب البريئة التي تبادلها الأولاد و البنات من فوق سطوح المنازل؟ هل سيذكر التاريخ ابن جارنا الطفل الذي دهسته سيارة مسرعة ؟ هل سيذكر التاريخ تلك الأرملة التي تجلس عند ناصية شارعنا كل صباح تبيع اللبن لتطعم أطفالها الصغار وقد ارتسم على وجهها الشاحب حزن العالم كله ؟ مع الأسف التاريخ لا يذكر هذه الأمور لأن الناس لا تهتم لها. ومزرعة الآس أيضا شهدت خلال تاريخها الطويل العديد من المآسي التي ربما لم يجد التاريخ حاجة لذكرها , لقد مات في ذلك المنزل القديم عشرات الأشخاص , العديد منهم كانوا أطفالا حصدهم مرض الحمى الصفراء و التيفوئيد , والمزرعة شهدت أيضا العديد من النكبات و حدثت فيها فعلا بعض الجرائم ....
لكن مهلا ... هل يعني هذا بأن المنزل مسكون حقا بالأشباح ؟ ربما .. من يدري؟! و ربما أيضا تكون مجرد قصص يروج لها مالكو المنزل من اجل اجتذاب السياح و استدرار أموالهم. لكن في المقابل يجب أن نتذكر بأن هناك العديد من الناس مروا بتجارب غريبة داخل هذا المنزل , و ربما بعضهم أناس قد لا يرقى الشك إلى مصداقيتهم و ليست لديهم مصلحة في الكذب , فهل كانت تجاربهم تلك مجرد هلوسة و ادعاء؟.
على العموم , في النهاية يبقى قرار تصديق أو تكذيب هذه القصة متروكا إليك وحدك عزيزي القارئ.
1 – الآس : نبات ينمو على شكل شجيرات صغيرة دائمة الخضرة و تتميز أوراقه و زهوره البيضاء برائحة طيبة زكية , النبات معروف منذ القدم و تنتشر زراعته في البلدان العربية و عادة ما يقوم البستانيين بتهذيب أغصانه ليتحول إلى أجسام و إشكال جميلة تزين الحدائق العامة , يعرف في مصر بالـ"مرسين" و في الشام بالـ"بستاني" و في العراق بالـ"ياس".
2 – حرب الاستقلال الأمريكية : استمرت بين عامي 1776 – 1783 و انتهت باستقلال معظم أراضي ما يعرف اليوم بالولايات المتحدة الأمريكية عن بريطانيا العظمى.
3 – ثورة الويسكي : تمرد قام به السكان في أجزاء من الولايات المتحدة و بالخصوص في مقاطعة واشنطن في بنسلفانيا بسبب ضريبة فرضتها الحكومة الاتحادية على صناعة الويسكي و ذلك من اجل سداد ديونها المتراكمة جراء حرب الاستقلال عن بريطانيا. و بعد فشل المفاوضات بين الحكومة و المتمردين قام جورج واشنطن (الرئيس الأول لأمريكا) بالزحف على المتمردين على رأس ثلاثة عشر ألف مقاتل فهزمهم و أنهى التمرد.
1 – الحرب الأهلية الأمريكية  : حرب وقعت بين عامي 1861 – 1865 بين الحكومة الاتحادية في الشمال برئاسة أبراهام لينكون  و بين احد عشر ولاية جنوبية طالبت بالانفصال عن الولايات المتحدة الأمريكية و كان  الجنوبيون تحت قيادة جيفرسون ديفيس , و قد لعبت مسألة العبودية دورا رئيسيا في نشوب  هذه الحرب فالرئيس لينكون و الحكومة الاتحادية كانوا ضد العبودية و أرادوا إلغائها  اما الولايات الجنوبية و هي ولايات زراعية تعتمد بصورة كبيرة على العبيد في  إنتاجها و اقتصادها فكانت متمسكة بالإبقاء على العبودية , و قد انتهت الحرب باستسلام  الجنوب و إلغاء العبودية قانونيا (عمليا استلزم القضاء على التمييز ضد السود في  أمريكا قرن أخر من الزمان).