‏إظهار الرسائل ذات التسميات ضمير. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات ضمير. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 6 فبراير 2014

القط الأسود

لست أتوقع منكم، بل لست أطلب أن تصدقوا الوقائع التي أسطرها هنا لقصة هي أغرب القصص وإن كانت في الآن عينه مألوفة للغاية.
سوف أكون مجنوناً لو توقعت أن تصدقوا ذلك، لأن حواسي ذاتها ترفض أن تصدق ما شهدته ولمسته.
غير أنني لست مجنوناً – ومن المؤكد أنني لا أحلم- وإذ كنت ملاقياً حتفي غداً فلا بد لي من أن أزيح هذا العبء عن روحي.
ما أرمي إليه هو أن أبسط أمام العالم، بوضوح ودقة، وبلا أي تعليق، سلسلة من الوقائع العادية جداً. إنها الوقائع التي عصفت بي أهوالها و واصلت تعذيبي ودمرتني. مع ذلك لن أحاول تفسيرها وإذا كنت لا أجد فيها غير الرعب فإنها لن تبدو للآخرين مرعبة بقدر ما ستبدو نوعاً من الخيال الغرائبي المعقد.
قد يجيء في مقبل الأيام ألمعي حصيف يبين له تفكيره أن هذا الكابوس مجرد أحداث عادية – وربما جاء ألمعي آخر أكثر رصانة وأرسخ منطقاً وتفكيره أقل استعداداً للإثارة من تفكيري، ليرى في الأحداث التي أعرضها بهلع مجرد تعاقب مألوف لأسباب طبيعية ونتائجها المنطقية.
عُرِفْت منذ طفولتي بوداعتي ومزاجي الإنساني الرقيق، حتى أن رقة قلبي كانت على درجة من الإفراط جعلتني موضوع تندر بين زملائي. وقد تميزت بولع خاص بالحيوانات مما جعل أبواي يعبّران عن تدليلهما لي بإهدائي أنواعاً من الحيوانات المنزلية. مع هذه الحيوانات كنت أمضي معظم أوقاتي ، ولم أعرف سعادة تفوق سعادتي حين كنت أطعمها وأداعبها. نمت هذه الطباع الغريبة مع نموي، وكانت لي في طور الرجولة أكبر منابع المتعة.
الذين عرفوا مشاعر الولع بكلب أمين ذكي سوف يفهمون بسهولة ما أود قوله عن مدى البهجة المستمدة من العناية بحيوان أليف. إن في تعلق الحيوان بصاحبه تعلقاً ينـكر الـذات ويضـحي بها ما يخترق قلب الإنسان الذي هيأت له الظروف أن يعاني من خسة الصداقة وضعف الوفاء عند الجنس البشري.
تزوجت في سن مبكرة، وقد أسعدني أن أجد في مزاج زوجتي ما لا يناقض مزاجي. وإذ لاحظت ولعي بالحيوانات المنزلية لم تترك مناسبة تمر دون أن تقتني منها الأجناس الأكثر إمتاعاً وإيناساً. هكذا تجمع لدينا طيور وأسماك ذهبية وكلب أصيل وأرانب وقرد صغير وقط.
كان هذا القط كبير الحجم بشكل مميز، جميل الشكل، أسود اللون بتمامه، وعلى قدر عجيب من الذكاء، كانت زوجتي التي لا أثر للمعتقدات الخرافية في تفكيرها، حين تتحدث عن ذكائه تشير إلى الحكايات الشعبية القديمة التي تعتبر القطط السود سحرة متنكرين. هذه الإشارات لا تعني أنها كانت في يوم من الأيام جادة حول هذه المسألة. أذكر هذا لسبب وحيد هو أنه لم يرد إلى ذهني قبل هذه اللحظة.
كان بلوتو – وهذا هو اسم القط- حيواني المدلل وأنيسي المفضل، أطعمه بنفسي، ويلازمني حيثما تحركت في البيت. بل كنت أجد صعوبة لمنعه من اللحاق بي في الشارع.
دامت صداقتنا على هذه الحال سنوات عديدة، تبدل خلالها مزاجي وساء سلوكي بفعل إدماني للخمر (إني أحمرّ خجلاً إذ أعترف بذلك) ويوما بعد يوم تزايدت حدة مزاجي وشراستي، واستعدادي للهيجان، وتزايد استهتاري بمشاعر الآخرين. ولكم عانيت وتألمت بسبب التعابير القاسية التي رحت أوجهها إلى زوجتي، حتى أنني في النهاية لجأت إلى العنف الجسدي في التعامل معها.
وبالطبع فقد استشعرت حيواناتي هذا التغير في مزاجي. ولم أكتف بإهمالها بل أسأت معاملتها. وإذا كان قد بقي لبلوتو بعض الاعتبار مما حال دون إساءتي إليه فإنني لم أستشعر دائماً في الإساءة إلى الأرانب أو القرد، أو حتى الكلب، كلما اقتربت مني مصادفة أو بدافع عاطفي. غير أن مرضي قد تغلب علي – وأي مرض كالمسكرات!- ومع الأيام حتى بلوتو الذي صار هرماً ومن ثم عنيداً نكداً بدأ يعاني من نتائج مزاجي المعتل.
ذات ليل كنت عائداً إلى البيت من البلدة التي كثر ترددي إليها وقد تعتعني السكر؛ وخيل إلي أن القط يتجنب حضوري؛ فقبضت عليه، وإذ أفزعته حركاتي العنيفة جرحني بأسنانه جرحاً طفيفاً فتملكني غضب الأبالسة. وبدا أن روحي القديمة قد اندفعت على الفور طائرة من جسدي؛ وارتعد كل عرق في هيكلي بفعل حقد شيطاني غذاه المخدر. فتناولت من جيب سترتي مطواة، فتحتها وقبضت على عنق الحيوان المسكين واقتلعت عامداً إحدى عينيه من محجرها! إنني احتقن، أحترق، أرتعد حين أكتب تفاصيل هذه الفظاعة الجهنمية.
لما استعدت رشدي في الصباح – لما نام هياج الفسوق الذي شهده الليل- عانيت شعوراً هو مزيج من الرعب والندم بسبب الجريمة التي ارتكبتها، غير أن ذلك كان في أحسن الحالات شعوراً ضعيفاً وملتبساً لم يبلغ مني الأعماق. ومن جديد استحوذ علي الإفراط في الشراب. وسرعان ما أغرقت الخمرة كل ذكرى لتلك الواقعة.
في هذه الأثناء أخذ القط يتماثل للشفاء تدريجياً. صحيح أن تجويف العين الفارغ كان يشكل منظراً مخيفاً لكن لم يبد عليه أنه يتألم، وعاد يتنقل في البيت كسابق عهده، غير أنه كما هو متوقع، كان ينطلق وقد استبد به الذعر كلما اقتربت منه. كانت ماتزال لدي بقايا من القلب القديم بحيث ينتابني الحزن إزاء هذه الكراهية الصارخة التي يبديها لي كائن أحبني ذات يوم. لكن سرعان ما حل الانزعاج محل الحزن. وأخيراً جاءت روح الانحراف لتدفعني إلى السقوط الذي لا نهوض منه. هذه الروح لا توليها الفلسفة أي اعتبار. مع ذلك لست واثقاً من وجود روحي في الحياة أكثر من ثقتي أن الانحراف واحد من النوازع البدائية في القلب البشري، واحد من الملكات أو المشاعر الأصيلة التي توجه سلوك الإنسان. من منا لم يضبط نفسه عشرات المرات وهو يقترف إثماً أو حماقة لا لسبب غير كون هذا العمل محرماً؟ أليس لدينا ميل دائم، حتى في أحسن حالات وعينا، إلى خرق ما يعرف بالقانون لمجرد علمنا بأنه قانون؟ روح الانحراف هذه هي التي تحركت تدفعني إلى السقوط النهائي. إنها رغبة النفس الدفينة لمشاكسة ذاتها – لتهشيم طبيعة ذاتها- لاقتراف الإثم لوجه الإثم، هذه الرغبة التي لا يسبر غورها هي التي حرضتني على مواصلة الأذى ضد الحيوان الأعزل، وأخيراً الإجهاز عليه.
فلم باتجك سلافيسا
لففت حول عنقه أنشوطه وعلقته بغصن شجرة ..
ذات صباح وعن سابق تصور وتصميم لففت حول عنقه أنشوطه وعلقته بغصن شجرة ..شنقته والدموع تتدفق من عيني، وفي قلبي تضطرم أمرّ مشاعر الندم؛ شنقته لعلمي أنني بذلك أقترف خطيئة، خطيئة مميتة سوف تعرض روحي الخالدة للهلاك الأبدي، وتنزلها إن كان أمر كهذا معقولاً، حيث لا تبلغها رحمة أرحم الراحمين والمنتقم الجبار.
في الليلة التي وقع فيها هذا الفعل الشنيع، استيقظت من النوم على صوت النيران. كان اللهب يلتهم ستائر سريري والبيت بكامله يشتعل. ولم ننج أنا وزوجتي والخادم من الهلاك إلا بصعوبة كبيرة. كان الدمار تاماً. ابتلعت النيران كل ما أملك في هذه الدنيا، واستسلمت مذ ذاك للقنوط واليأس.
لم يبلغ بي الضعف مبلغاً يجعلني أسعى لإقامة علاقة سببية بين النتيجة وبين الفظاعة التي ارتكبتها والكارثة التي حلت بي. لكنني أقدم سلسلة من الوقائع وآمل ألا أترك أي حلقة مفقودة في هذا التسلسل.
في اليوم الذي أعقب الحريق ذهبت أزور الأنقاض. كانت الجدران جميعها قد تهاوت باستثناء جدار واحد، هذا الجدار الذي نجا بمفرده لم يكن سميكاً لأنه جدار داخلي يفصل بين الحجرات ويقع في وسط البيت، وإليه كان يستند سريري من جهة الرأس. وقد صمد طلاء هذا الجدار و تجصيصه أمام فعل النيران. وهو أمر عزوته إلى كون التجصيص حديثاً. أمام هذا الجدار كان يتجمهر حشد من الناس وبدا أن عدداً كبيراً منهم يتفحص جانباً مخصوصاً منه باهتمام شديد، فحركت فضولي تعابير تصدر عن هذا الحشد من نوع (عجيب!) (غريب!) دنوت لأرى رسماً على الجدار الأبيض كأنه حفر نافر يمثل قطاً عملاقاً. كان الحفر مدهشاً بدقته ووضوحه، وبدا حبل يلتف حول عنق الحيوان.
عندما وقع نظري لأول مرة على هذا الشبح، إذ لم أكن أستطيع أن أعتبره أقل من ذلك، استبد بي أشد العجب وأفظع الذعر. غير أن التفكير المحلل جاء ينقذني من ذلك. لقد كان القط على ما أذكر معلقاً في حديقة متاخمة للبيت؛ فلما ارتفعت صيحات التحذير من النار، غصت الحديقة فوراً بالناس، ولابد أن شخصاً ما قد انتزعه من الشجرة وقذف به عبر النافذة إلى غرفتي، وربما كان القصد من ذلك تنبيهي من النوم. ولابد أن سقوط الجدران الأخرى قد ضغط ضحية وحشيتي على مادة الجص الحديث للطلاء؛ اختلط كلس هذا الطلاء بالنشادر المتصاعد من الجثة وتفاعل به بتأثير النيران فأحدث الرسم النافر الذي رأيته.
ومع أنني قدمت هذا التفسير لأريح عقلي، إن لم أكن قد فعلت ذلك لأريح ضميري، فإن المشهد الغريب الذي وصفته لم يتوقف عن التأثير في مخيلتي، وعلى مدى أشهر لم أستطع أن أتخلص من هاجس القط؛ خلال هذه الفترة عاودني شعور بدا لي أنه الندم، ولم يكن في الحقيقة كذلك. لم يكن أكثر من أسف على فقد حيوان، وتفكير بالحصول على بديل من النوع نفسه والشكل نفسه ليحل محله.
في إحدى الليالي، فيما كنت جالساً، شبه مخبول، في وكر من أوكار العار، إذ أنني أدمنت الآن ارتياد هذه الأماكن الموبوءة، جذب انتباهي فجأة شيء أسود فوق برميل ضخم من براميل الجن أو شراب الروم، البراميل التي تشكل قطع الأثاث الرئيسية في ذلك المكان، كنت طوال دقائق أحدق بثبات في رأس البرميل، وما سبب دهشتي هو أنني لم أتبين للحال طبيعة الشيء باستثناء شيء واحد. إذ لم تكن في أي مكان من جسم بلوتو شعرة بيضاء واحدة؛وكانت لهذا القط بقعة بيضاء غير واضحة الحدود تتوزع على منطقة الصدر بكاملها.
حالما لمسته نهض وأخذ يخط بصوت مرتفع ويتمسح بيدي، وبدا مسروراً باهتمامي له، وإذن هذا هو بالضبط ما كنت أبحث عنه. للحال عرضت على صاحب البيت شراءه، لكن هذا أجاب بأنه لا يملكه ولا يعرف شيئاً عنه، ولم يره من قبل.
واصلت مداعبتي له، ولما تهيأت للذهاب، اتخذ وضعية تبين أنه يريد مرافقتي، فتركته يصحبني، وكنت بين الحين والآخر أتوقف وأربت على ظهره أو أمسح رأسه. لما وصل إلى البيت بدا أليفاً ولم يظهر عليه أي استغراب. وعلى الفور صار أثيراً لدى زوجتي.
أما أنا فسرعان ما وجدت المقت يتصاعد في أعماقي، وكان هذا عكس ما توقعته. ولم أستطع أن أفهم كيف تعلق القط بي ولا سبب هذا التعلق الواضح الذي أثار اشمئزازي وأزعجني. وأخذ الانزعاج والاشمئزاز يتزايدان شيئاً فشيئاً ويتحولان إلى كراهية مريرة، فأخذت أتجنب هذا الكائن؛ كان إحساس ما بالعار، وذكرى فظاعتي السابقة يمسكان بي عن إلحاق الأذى الجسدي به. وامتنعت طوال أسابيع عن ضربه أو معاملته بعنف، لكن تدريجياً - وبتدرج متسارع- أخذت أنظر إليه بكره لا يوصف وأبتعد بصمت عن حضوره البغيض كما أبتعد عن لهاث مصاب بالطاعون.
ما أكدَّ كرهي لهذا الحيوان هو اكتشافي، صبيحة اليوم التالي لوصوله أنه مثل بلوتو، قد فقد إحدى عينيه، غير أن هذا زاد من عطف زوجتي عليه لأنها كما ذكرت تملك قدراً عظيماً من المشاعر الإنسانية التي كانت ذات يوم ملامحي المميزة، ومنبعاً لأكثر المسرات براءة ونقاء.
كان هيام القط بي يزداد بازدياد بغضي له، فكان يتبع خطواتي بثبات يصعب إيضاحه، فحيثما جلست، كان يجثم تحت مقعدي، أو يقفز إلى ركبتي ويغمرني بمداعباته المقززة، فإذا نهضت لأمشي اندفع بين قدمي وأوشك أو يوقعني، أو غرز مخالبه الطويلة الحادة في ثيابي ليتسلق إلى صدري، ومع أنني كنت أتحرق في مناسبات كهذه لقتله بضربة واحدة فقد كنت أمتنع عن ذلك بسبب من ذكرى جريمتي السابقة إلى حد ما، لكن بصورة أخص – ولأعترف بذلك حالاً- بسبب الرعب من هذا الحيوان.
لم يكن هذا الرعب خوفاً من شر مادي مجسد، مع ذلك أحار كيف أحدده بغير ذلك، يخجلني أن أعترف أجل، حتى في زنزانة المجرمين هذه، يكاد يخجلني الاعتراف بأن الرعب والهلع اللذين أوقعهما في نفسي هذا الحيوان ازدادا حدة بسبب من وهم لا يقبله العقل.
كانت زوجتي قد لفتت انتباهي، أكثر من مرة إلى طبيعة البقعة البيضاء على صدر القط، والتي أشرت إليها سابقاً، تلك العلامة التي تشكل الفارق الوحيد بين هذا الحيوان الغريب وذاك الذي قتلته.
هذه البقعة على اتساعها لم تكن لها حدود واضحة، غير أنها شيئاً فشياً وبتدرج يكاد لا يلحظ، تدرج صارع عقلي لكي يدحضه ويعتبره وهماً، اكتسبت شكلاً محدداً بوضوح تام. صار لها الآن شكل ارتعد لذكر اسمه ..هذا الشكل هو ما جعلني أشمئز وأرتعب، وأتمنى التخلص من الحيوان لو تجرأت ، كان الآن صورة لشيء بغيض شيء مروع هو المشنقة! أوه أيّ آلة شنيعة جهنمية للفظاعة والجريمة للنزع والموت!
والآن لقد انحدرت إلى درك ينحط بي عن صفة الإنسانية! كيف ينزل بي حيوان بهيم – قتلت مثله عن سابق تصميم- حيوان بهيم ينزل بي أنا الإنسان المخلوق على صورة كريمة، كل هذا الويل الذي لا يحتمل! وا أسفاه! ما عدت أعرف رحمة الراحة لا في النهار ولا في الليل! ففي النهار لم يكن ذلك البهيم ليفارقني لحظة واحدة، وفي الليل كنت أهب من النوم مراراً يتملكني ذعر شديد لأجد لهاث ذلك الشيء فوق وجهي، وثقل جسمه الضخم – مثل كابوس متجسد لا أقوى على زحزحته- يجثم أبدياً فوق قلبي.
وهكذا انهارت بقايا الخير الواهية تحت وطأة هذا العذاب، وصارت أفكار الشر خدين روحي، أشدَّ الأفكار حلكة وشيطانية، ازدادت مزاجيتي سوداوية حتى تحولت إلى كراهية للأشياء كلها وللجنس البشري بأسره، وأخذت نوبات غضبي المفاجئة المتكررة التي لم أعد أتحكم بها واستسلمت لها كالأعمى، أخذت تطال وا أسفاه زوجتي، أعظم الصابرين على الآلام.
رافقتني ذات يوم لقضاء بعض الأعمال المنزلية في قبو المبنى القديم حيث أرغمتنا الفاقة على السكنى، تبعني القط على الدرج وكاد يرميني، فاستشاط غضبي الجنوني؛ رفعت فأساً متناسياً ما كان من خوفي الصبياني الذي أوقفني حتى الآن، وسددت ضربة إلى الحيوان كانت ستقضي عليه لو أنها نزلت حيث تمنيت، غير أن يد زوجتي أوقفت هذه الضربة. كان هذا التدخل بمثابة منخاس دفع بغضبي إلى الهياج الشيطاني؛ انتزعت يدي من قبضة زوجتي و دفنت الفأس في رأسها، فسقطت ميتة دون أن تصدر عنها كلمة.
لما ارتكبت هذه الجريمة البشعة، جلست على الفور أفكر في التخلص من الجثة. عرفت أنني لا أستطيع إخراجها من البيت لا في الليل ولا في النهار دون أن أخاطر بتنبيه الجيران. مرت برأسي خطط عديدة. فكرت بأن أقطع الجثة إرباً ثم أتخلص منها بالحرق. وفكرت في حفر قبر لها في أرض القبو. كما فكرت في إلقائها في بئر الحوش، أو أن أحشرها في صندوق بضاعة وأستدعي حمالاً لأخذها من البيت. وأخيراً اهتديت إلى أفضل خطة للتخلص منها. قررت أن أبنيها في جدار القبو، كما كان الرهبان في القرون الوسطى يبنون ضحاياهم في الجدران.
كان القبو مناسباً لهذه الغاية. فقد كان بناء جدرانه مخلخلاً وقد تم توريق الجدران حديثاً بملاط خشن حالت الرطوبة دون تصلبه. وفوق ذلك كان في أحد الجدران تجويف بشكل المدخنة تم ردمه بحيث تستوي أجزاء الجدار، وتأكد لي أن باستطاعتي انتزاع قطع الطوب من هذا التجويف وإدخال الجثة، وبناء التجويف ليعود الجدار كما كان بحيث لا ترتاب العين في أي تغيير.
ولم تخطئ حساباتي. استعنت بمخل لانتزاع قطع الطوب، وأوقفت الجثة بتأن لصق الجدار الداخلي ودعمتها لتحتفظ بوضع الوقوف، فيما كنت أدقق لأعيد كل شيء إلى ما كان عليه. كنت قد أحضرت الملاط والرمل والوبر، فهيأت الخليط بمنتهى الدقة والعناية بحيث لا يميز من الملاط السابق، وأعدت كل قطعة طوب إلى مكانها. عندما أكملت العمل أحسست بالرضا عن النتيجة. لم يكن يبدو على الجدار أدنى أثر يدل على أنه قد لمس. نظفت الأرض بمنتهى العناية ونظرت حولي منتصراً وقلت في نفسي: ’’لم يذهب جهدي سدىً‘‘.
كانت الخطوة الثانية هي البحث عن الحيوان الذي سبب لي هذه الفاجعة الرهيبة، ذلك أنني قررت القضاء عليه، لوعثرت عليه في تلك اللحظة لما كان هنالك من شك في أمر مصيره؛ لكن يبدو أن الحيوان الذكي أدرك عنف غضبي فاختفى متجنباً رؤيتي وأنا في ذلك المزاج.
يستحيل علي أن أصف عمق الراحة والسكينة التي أتاحها لروحي غياب ذلك الحيوان. لم يعد للظهور تلك الليلة. وهكذا ولأول مرة منذ وصوله إلى البيت نمت بعمق وهدوء، أجل نمت على الرغم من وزر الجريمة الرابض فوق روحي.
مر اليوم الثاني ثم الثالث ولم يظهر معذبي، ومن جديد تنفست بحرية. لقد أصيب الوحش بالذعر فنجا بنفسه نهائياً! ولن يكون علي أن أتحمله بعد الآن! كانت سعادتي بذلك عظيمة! ولم يؤرق مضجعي وزر الجريمة السوداء إلا لماماً. جرت بعض التحقيقات وقدمت أجوبة جاهزة. بل كانت هناك تحريات، غير أن شيئاً ما لم يكتشف، وأدركت أن مستقبل سعادتي في أمان.
فلم باتجك سلافيسا
كنت قد بنيت الجدار والقط داخل القبر
في اليوم الرابع بعد وقوع الجريمة جاءت فرقة من الشرطة إلى البيت بشكل لم أتوقعه وبدأت تحريات واستجوابات دقيقة، لكن بما أنني كنت مطمئنا إلى إخفاء الجثة لم أشعر بأي حرج. سألني ضباط الشرطة أن أرافقهم إلى القبو، فلم ترتعد فيَّ عضلة واحدة. كان قلبي ينبض بهدوء كقلب بريء نائم. رحت أذرع القبو جيئة وذهاباً عاقداً ذراعي فوق صدري. اقتنع رجال الشرطة بنتائج بحثهم واستعدوا للذهاب، كانت النشوة في قلبي أقوى من أن أكتمها. كنت أتحرق لقول كلمة واحدة، لفرط ما أطربني الانتصار، ولكي أزيد يقينهم ببراءتي.
’’أيها السادة - قلت أخيراً، لما كان الفريق يصعد الدرج - يسرني أن أكون قد بددت كل شكوككم. أتمنى لكم تمام الصحة ومزيداً من اللباقة، بالمناسبة أيها السادة، هذا بيت مكين البناء - في رغبتي العارمة لقول شيء سهل،لم أجد ما أتلفظ به - إنه بيت مبني بشكل ممتاز. هذه الجدران- هاأنتم ذاهبون أيها السادة- هذه الجدران متماسكة تماماً‘‘
وهنا ، وبنوع من الزهو المتشنج- طرقت طرقاً قوياً على الجدار بعصا كانت بيدي، تماماً في الموضع الذي أخفيت فيه زوجة قلبي.
لكن ليحمني الله من مخالب إبليس الأبالسة! لم تكد اهتزازات ضربتي تغرق في الصمت حتى جاوبني صوت من داخل القبر! صرخة مكتومة متقطعة بدأت كبكاء طفل، لكن سرعان ما أخذت تتعاظم وتتضخم لتغدو صرخة واحدة هائلة مديدة شاذة غريبة وغير آدمية بالمرة.. غدت عواء.. عويلاً مجلجلاً يطلقه مزيج من الرعب والظفر، وكأنما تتصاعد من قيعان الجحيم تتعاون فيها حناجر الملعونين في سعير عذاباتهم والشياطين إذ يهللون اللعنات.
من الحماقة أن أحدثكم عن الأفكار التي تلاطمت في رأسي.. ترنحت منهاراً وتهاويت مستنداً إلى الجدار المقابل.. للحظة واحدة ظل فريق الشرطة مسمراً على الدرج بفعل الرعب والاستغراب. وفي اللحظة التالية كانت بضع عشرة ذراعاً شديدة تهدم الجدار. أنهار قطعة واحدة. كانت الجثة قد تحللت إلى درجة كبيرة و غطاها الدم المتجمد، وهي تنتصب واقفة أمام أعين المشاهدين وعلى رأسها يقف القط الأسود الكريه بفمه الأحمر المفتوح وعينه الوحيدة النارية، القط الذي دفعتني أفعاله إلى الجريمة ثم أسلمني صوته الكاشف إلى حبل المشنقة. كنت قد بنيت الجدار والقط داخل القبر.

الاثنين، 27 يناير 2014

اينما اذهب هم ورائي .. ورائي ..



سأذكر لكم قصتي التي لا يصدقها إلا القليل .. أنا متأكدة منها وهذا يكفيني .. فليس هذا الكون الفسيح لنا وحدنا ! .. ومثلما الإنس فضولي .. فهم أيضا فضوليين !! ..

اذكر عندما كنت عروس وانضممت للعيش مع أهل زوجي ، كنت نائمة في غرفتي ولا اعلم لماذا ينتابني شعور غريب ينبئني بوجود شيء ما ؟! , حتى والله إني أحس بألم في رأسي يمتد على عيوني كالضغط عندما اجلس قرب احد مصاب بعين أو حسد أو سحر أو تلبس .. لكن آلمي أو ضيقي يتفاوت حسب حالته..!

كنت نائمة فقمت فجأة وكأن إحساسي أيقظني لأفاجأ بكائن غريب قصير يصل طوله مثل طول السرير عبارة عن ظل اسود يركض أمامي بسرعة هائلة وباتجاه الحمام " أكرمكم الله" عندما شعر باستيقاظي المباغت .. طبعا أنا خفت ولا شعوريا هرولت إلى زر الإنارة وأضأت الغرفة ثم انقضضت على زوجي أيقظه .. وطبعا قال لي ببساطه : حلم ..

بصراحة بسبب إحساسي المرهف الذي وهبني إياه رب العالمين وحدس المرأة عرفت إن منزل أهل زوجي فيه أرواح أو جن أو عمار والله اعلم .. وتكررت محاولتهم معي عندما كنت في الحمام وسمعت زوجي يناديني وعندما سألته ماذا يريد ؟ اندهش ونفى انه ناداني ! ..

وبعد أربع أشهر انتقلنا أنا وزوجي لسكن مستقل لوحدنا , وكنت حامل بتوأم , وعشت سنة في هذا المنزل ولم أرى أو أحس بشيء فيه . لكننا سكنا منزلا آخر بسبب ضيقه ، وكنت قد أنجبت توأمي البنات عندما انتقلنا للمنزل الجديد ..

وهنا بدأت مأساتي ..

إذ بعد شهر تقريبا بدأت أحس بيد بالمطبخ تتحسس ظهري وأحيانا ساقي من الخلف , وبعد مدة استيقظت على شيء كالكتلة السوداء بمنتصف السرير بيني وبين زوجي , وعندما قمت فجأة كعادتي هرب . وفي اليوم التالي تقريبا نفس الوقت عند منتصف الليل وجدت غزال لونه سماوي قرب زوجي فصرخت فهرب أو تلاشى .. وعندما قلت لزوجي صباحا قال ساخرا : ليش ما صحيتيني اذبحه وناكله ! .. انا احب لحم الغزال ..

هو هكذا دائما لا يصدقني ويكتفي بالسخرية .. فحاربت لوحدي ..

وعند الليلة الثالثة ما أن فتحت عيناي حتى قفز اتجاهي حزام بنطال زوجي من الشماعة لكنه تلاشى قبل أن يصيبني !!! ..

وغيرها من الأحداث , مثلا بنت جيراننا طفلة كانت يوميا تأتي عندي لتساعدني في توأمي , ورأتني اذهب للمطبخ وأنا بالواقع لم أتحرك , كنت اجلس على حافة السرير اكتب , لكن كانت هناك شخصيه تشبهني تتجول كما تريد في المنزل !!؟ ..

أصررت على زوجي حتى غادرت المكان وانتقلنا لغيره وقد أصابني الوسواس القهري والمفاجأة كان هذا المنزل الجديد أرعبهم .. والغريب أن زوجي لا يرى شيء !! ..

الأحد، 26 يناير 2014

من أين يأتي الضوء ؟ لا شيء بالغرفة ينير ..



أنا فتاة في الثالثة عشر من عمري ، وهذه تجربتي الشخصية ، هذه الأحداث حصلت معي وأرعبتني حقاً مع العلم أنني لم أكن أخاف من شيء من قبل ، كنت لا أصدق الخرافات ولا القصص المخيفة التي تتضمن الأشباح والجن والسحر .. وبعد الذي حصل معي لست متأكدة من أن الأمور المخيفة هذه لا تحصل , على الرغم من أنها لا تتعلق كثيراً بالذي مررت به .

حدث هذه الأمر قبل أسابيع قليلة ، وتاريخ هذا اليوم سيبقى محفوراً في داخلي إلى الأبد .. كانت ليلةً كباقي الليالي في البداية ، انتهيت من مشاهدة برنامجي المفضل مع عائلتي كالعادة وخلدت إلى النوم . كانت الساعة وقتها التاسعة .. كان علينا أنا وأخوتي النوم باكراً لأجل المدرسة ، على العموم نمت بسلام واطمئنان .. لم يخطر ببالي أبداً أن شيئاُ مريباً سيحصل .. ولكن اطمئناني هذا لم يدم طويلاً .. كنت معتادةً على الاستيقاظ في الليل .. سواء لأقضي حاجةً أو أكون قد انتهيت من حلم ولا يأتيني نوم من جديد ، ففي أيام العطل أسهر كثيراً وآخر عطلة كانت طويلة إذ كانت بمناسبة بداية سنة جديدة ولم يكن ذلك من فترة طويلة ..

استيقظت تلك الليلة الساعة الثانية أو الواحدة بعد منتصف الليل ، لا اذكر الوقت جيداً .. كنت في الغرفة مع أختيّ الصغيرتين وكانتا نائمتين , وفي الغرفة المجاورة أمي وأبي غارقان في النوم والباب مغلق ، أما الغرفة التي بمقابل غرفتنا ( بوجهنا ) فكانت مفتوحةً وينام فيها أخي الذي يصغرني بثلاث سنوات .

كل الغرف كانت معتمةً ولم يكن هناك أي ضوء منبعث من الخارج .. فلا محلات بجوارنا والبيوت قليلة ، قلقت ولم استطع النوم .. فبدأت أفكر وأفكر وأشغل مخيلتي لأتسلى قليلاً .. ولكن ما هي إلا لحظات حتى لمحت ضوءاً أبيض ، وبسرعةٍ نظرت بجانبي لأجد أنه منبعث من الغرفة التي أمامنا .. الغرفة التي ينام فيها أخي ، ما هذا ؟! .. من أن يأتي هذا الضوء ؟! .. إنه تقريباً كالدائرة التي لا بداية لها ولا نهاية , فليس ظاهراً أنه نابع من مكان ، بل هو متجمع داخل الغرفة التي بمقابلنا وغير معروف من أي ناحية يأتي .. لقد شعرت حينها بخوف ولأول مرة ، فكنت متأكدةً أن لا أحد بالغرفة إلا أخي وهو نائم ، وسريره بعيدٌ عن الباب قليلاً وهو على جهة اليمين " من ناحيتي " والباب بقربه فلا أراه .. كما أننا في الليل ولا يوجد ضوء ولا يعقل أن يكون من الخارج إذ أنني على هذه الحالة كان يجب أن أراه ممتداً من الشباك وليس متكوما من مكان واحد !!! بماذا تفكرون ؟ .. بالطبع ستقولون إنه أخي ، أخي من يفعل ذلك ويمازحني ، ولكن لا .. لا وألف لا .. فأخي لوحده يخاف من الظلام .. يخاف من ظله ! .. أمي تستلقي بجانبه كل ليلة حتى يغفو ثم تطفئ النور وتدخل غرفتها ، ثم لماذا سيفكر أخي في ذلك ؟! وفي الليل ؟! ومن أين سيحضر الضوء ؟ لا شيء بالغرفة ينير .. و " القدّاحة " لا تضيء ضوءاً كهذا الذي رأيته ، أيضاً إنني متأكدة بأن أخي لو كان مستيقظاً في هذا الوقت لكان طامراً رأسه بالغطاء فخوفه من الظلام لا يوصف .

ثم لحظة ! .. إن قلنا أنه هو .. حسناً .. كيف عرف أني مستيقظة ؟! .. كيف خطر بباله أن أحداً سيستيقظ الآن ؟! .

حسناً أصدقائي ، ربما أنا أبالغ قليلاً .. ربما يكون ضوءاً عادياً .. وما المخيف في ذلك .. لننسى الموضوع .. هذا ما قلته لنفسي قبل أن أغفو مرة أخرى بعد اختفاء الضوء ، لأني لم أستطع التحرك واكتشاف مصدره من شدة خوفي وقلقي ، ومضت الليلة وطلع النهار ولم أخبر أحداً بل حاولت أن أضع في بالي أنني توهمت أموراً مخيفة لا وجود لها وأني أكبّر الموضوع .

للآن ، إذا كنت عزيزي من النوع الذي لا يقلق ويخاف بسرعة من هذا ، ويعتبر الأمر عادياً .. حسناً ، أنا أيضا وضعت ذلك في بالي وقلت أنه يجب أن أضحك على نفسي .. ولكن ماذا لو تكرر هذا الأمر ثانيةً ولم يكن أخي أو أي شخص في هذه الغرفة ؟! .. هل سنقول أيضاً أنه عادي ؟! .. بالطبع لا !!! ..

وهذا ما حدث .. بعد أن أكملت يومي بسلام وأتى الليل الذي لم يخطر ببالي أنه يحمل لي نفس الأمر الغريب الذي حدث الليلة الماضية ، خلدت إلى النوم وأرحت عيوني المتعبة وجسدي المرهق , ولكني هذه المرة لم أنم بالوقت الذي اعتدت عليه ، لا أعني وقت الاستلقاء على الفراش ، بل الفترة التي أستغرقها للنوم بعد مزيج من الأفكار التي تراودني . مضت ربع ساعة ، نصف ساعة .. ساعة .. ساعة وربع .. ولم أنم بعد ! .. ما هذا ! .. لأول مرة لا أشعر بالنعاس في هذا الوقت ! .. هذه الليلة كان أخي ينام على الفراش الذي بجانبي وأختاي وراءنا ، لأنه كان مستلقياً يشاهد التلفاز وغفي أثناء ذلك فأراح أمي من عناء انتظاره لينام .

تك توك تك توك .. الساعة المعلقة على الحائط وعيوني التي تراقبها .. متى سأنام يا ترى ؟! , " النوم بعد قليل " .. هذا ما فكرت به وأنا أنتظر النعاس ليأتيني ، ولكني لم أتوقع أن يأتي شيءٌ آخر !! .. لكنه أتى !!!!! .. أجل ! .. إنه ذلك الضوء الغريب ! أتى ليزورني مجدداً دون التعريف عن نفسه ! نفس الضوء الذي رأيته ليلة أمس ، ولكن هذه المرة لا يمكنني أن أهدئ نفسي بقولي أنه أخي ! فأخي هنا بقربي غارق في نومه ، ولا أحد في الغرفة المقابلة .. ترى لماذا لم يخطر ببالي أن أغلق بابها قبل أن أنام ؟! .. لماذا نسيت وأوقعت نفسي في المشاكل ، هل يا ترى إن كنت أغلقته ما كان الضوء ليظهر ؟! أم أنه سيظهر في مكان آخر ؟! أخذت أتأمله بغرابة وقلق وفزع وتوتر .. لمع مرتين ، ظهر واختفى ثم كررها ، وبعد ذلك .. اختفى تماماً . وتركني في حيرة من أمري وقلق لا يفارقني .. لم أعد أرغب بالنوم أمام تلك الغرفة ، أريد النوم بين والديّ .. فإن كان هذا مجرد ضوء وأخافني .. ماذا تخبئ لي الليالي الأخرى ؟! .

عزيزي القارئ ، هل يمكنك أن تكتب لي توقعاتك وتفسيراتك المنطقية لما حدث معي ، مع العلم أنني لا أصدق بالخرافات وأعلم أن هناك تفسيراً علمياً مقنعاً لذلك . أتمنى أن أجد الردود التي تريحني علماً أن ذلك الحدث مضى عليه وقت ، ومع ذلك أخاف من أن يتكرر .