‏إظهار الرسائل ذات التسميات رواية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات رواية. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 23 مارس 2014

الجريمة الكاملة

أحب مشاهدة الأفلام والمسلسلات البوليسية كلما أتيحت لي الفرصة , ودائما ما أتسأل مع نفسي .. من أين يأتون بجميع هذه القصص المشوقة التي تحبس الأنفاس بملابساتها العجيبة ومفاجئاتها الغير متوقعة .. هل هو خيال الكاتب فقط ؟ .. أم هو استلهام لحوادث وجرائم حقيقية تغص بها أدراج وخزائن مراكز ومخافر البوليس حول العالم .
هناك بلا شك ما لا يعد ويحصى من الجرائم التي وقعت في أرجاء هذا العالم الواسع , ربما لم نسمع بها , لكنها ليست بعيدة عن أيدي وعقول صائدي القصص , هي بالنسبة إليهم كالكنز , ينبغي استثماره بأفضل صورة . وقصتنا لهذا اليوم هي واحدة من تلك الكنوز التي كانت ومازالت مادة دسمة لأفلام ومسلسلات الغموض والجرائم .
طبعا قد تخال عزيزي القارئ بأننا نتحدث عن جريمة دموية راح ضحيتها العشرات , أو عن سفاح رهيب كان يتلذذ بتقطيع وتمزيق أجساد ضحاياه بلا رحمة  .
لكن أسمح لي أن أخيب ظنك ..
فجريمتنا لهذا اليوم فيها قاتلان وقتيل واحد فقط . جريمة قد تبدو عادية وتافهة , ربما كان مقدرا لها أن يطويها النسيان حالها حال مثيلاتها التي تحدث كل يوم في مختلف بقاع الأرض . لكنها على العكس من ذلك أصبحت مثار اهتمام الناس والصحافة لفترة طويلة من الزمن .
طيب لماذا كل هذه الضجة ؟ .
السبب ببساطة يكمن في الدافع الغريب وراء الجريمة , وفي هوية القتلة وطبيعة انتمائهم الطبقي وتحصيلهم العلمي , فبطلا قصتنا لم يكونوا من أرباب الجنايات والسوابق , ولا من أفراد عالم شيكاغو السفلي حيث تتصارع عصابات الجريمة المنظمة , ولا من مدمني المخدرات أو المهووسين بالمومسات .. لا لم يكونا أيا من ذلك ..
بل كانا شابان ألمعيان , مشهود لهما بالتفوق والذكاء ويتحدران من أثرى العائلات في شيكاغو .
ناثان ليوبولد
ناثان ليوبولد (1905) كان نابغة بكل معنى الكلمة , نطق أول كلماته وهو بعمر أربعة أشهر فأذهل مربيته وأفزع والديه ! .. دخل الجامعة بسن 15 عاما وتخرج منها وهو لم يبلغ العشرين من عمره بعد , ويقال بأنه حينها كان يتكلم 27 لغة , وبلغ معدل ذكائه 210 (الإنسان العادي بين 90 – 110) ... بيد أن هذا النبوغ المبكر كانت له مساوئه أيضا , فليوبولد كان يفتقر للمهارات الاجتماعية , كان اخرقا تماما عندما يتعلق الأمر بالصداقات والعلاقات , ربما لأنه كان يشعر , بسبب ذكاءه الخارق , بأن الآخرين أقل منه قدرا . كما كان متأثرا بشدة بأفكار الفيلسوف الألماني الشهير نيتشه , خاصة فكرته عن "الإنسان الأعلى" , ذلك الإنسان المتفوق والمتحرر من الوهم والخرافة , والمتسلح بالقوة والذكاء , الذي يسمو فوق القوانين والأعراف التي تسري على بقية البشر .
ريتشارد لوب
بطل قصتنا الآخر يدعى ريتشارد لوب (1904) , كان ذكيا أيضا , لكنه لم يكن بنبوغ زميله ليوبولد . كان تفوقه الدراسي بالأساس يعود إلى أسلوب التربية المتزمت والقيود التي فرضتها عائلته عليه . هو أيضا دخل الجامعة مبكرا , وكانت الجامعة بالنسبة إليه فرصة للتحرر من قيود العائلة والانغماس في حياة اللهو والملذات . وعلى العكس من ليوبولد , كان لوب بارعا على المستوى الاجتماعي , كان وسيما وذو شخصية جذابة ومحببة , لكنه كان يخفي جانبا آخر لشخصيته لم يكن الآخرون يعلمون عنها شيئا , كان متمردا يتطلع لتحطيم القيود وكسر المحرمات . وهكذا فقد أدمن السرقة منذ سن مبكرة , لا لذات السرقة , فهو لم يكن بحاجة للمال , لكنه وجد فيها متنفسا لرغبات روحه المشاغبة , وكان يحلو له أن يقوم بتخريب وتحطيم الأشياء وإشعال الحرائق , حتى داخل منزله , ويجد متعة ما بعدها متعة في الإفلات من العقاب .
الجامعة هي التي جمعت بين الشابين , وسرعان ما تطورت العلاقة بينهما إلى شكل شاذ ومنحرف . ليوبولد الذي كان يفتقد الأصدقاء والعلاقات وجد ما يفتقده في شخصية صديقه الوسيم الاجتماعي فهام به حبا وتبعه مثل ظله , أما لوب فقد وجد في ليوبولد رفيقا وتابعا مثاليا يساعده في تنفيذ جرائمه الصغيرة , كالسرقة والتخريب وإشعال الحرائق .
غير أن هذا المزيج الغريب والمتفجر من الذكاء والشذوذ ونيتشه والروح المتمردة لم يجد ما يشبع غروره في تلك الجرائم الصغيرة والتافهة , كانت هناك طموحات أكبر وأخطر نضجت بالتدريج في رأس الصديقين .
ارادا ان يبرهنا بأنهما فوق البشر ..
لقد أرادا أن يبرهنا بأنهما فوق البشر , ولا يخضعان لقوانين البشر , وبأنهما مثال حي على إنسان نيتشه المتفوق والخارق , ولإثبات هذه الفكرة المجنونة قررا أن يرتكبا ما يعرف بـ "الجريمة المثالية أو الكاملة" , أي أن يقترفا جريمة وينجوان من العقاب بشكل كامل . وانهمكا لعدة شهور في وضع خطة متكاملة لجريمتهما , رسما خطوطها بدقة , كانت تقوم على استئجار سيارة باستعمال أسماء مزيفة , ثم استخدام هذه السيارة في خطف احد الأطفال الأغنياء , على أن يكون المخطوف صبيا , ثم يقومان بقتل هذا الطفل في نفس اليوم ويرميان بجثته في احد القنوات أو الجداول الصغيرة خارج المدينة , ثم يطلبان من عائلة الصبي فدية مالية مقال وعد بإطلاق سراحه .
ولم يطل المقام حتى وضع الشابين خطتهما موضع التنفيذ , ففي يوم 21 أيار / مايو عام 1924 استأجرا سيارة وراحا يتجولان بها في شوارع الحي الراقي الذي يقطنان فيه بحثا عن فريسة . لم يفكرا بشخص معين , كان الأمر بالنسبة لهما أشبه بجولة صيد , وشاءت الأقدار أن يلمحا عند الساعة الخامسة من عصر ذلك اليوم صبيا يعرفانه جيدا , أنه بوبي فرانكس , أبن المليونير جاكوب فرانكس . كان صبيا في الرابعة عشر من عمره يمت بصلة قرابة للوب . وكان في طريق عودته من المدرسة إلى منزله حين توقفت قربه سيارة الشابان اللذان دعواه للركوب معهما , فصعد إلى السيارة وجلس في مقعد الراكب الأمامي من دون تردد لأنه يعرفهما جيدا .
الضحية بوبي فرانكس
ولم تمر سوى لحظات على حركة السيارة حتى تعرض بوبي لضربة مباغتة وقوية على رأسه من الخلف بواسطة أزميل , لا يعرف على وجه الدقة من الذي وجه الضربة , ليوبولد أم لوب , فقد زعم كلاهما بأنه كان يقود السيارة في ذلك اليوم وبأن الآخر هو الذي أجهز على بوبي . لكن أيا كان من فعل ذلك فأنه لم يقتل بوبي في الحال , كان حيا حينما سحبوه للمقعد الخلفي ودسوا في فمه جورب أحدهم , ثم أسجوه على أرضية السيارة ووضعوا أقدامهم فوقه حتى لفظ المسكين أنفاسه الأخيرة جراء النزيف أو ربما اختناقا بالجورب . وبعد أن تأكدا من موته قاما بنزع ملابسه ونثراها على جانب الطريق , ثم سكبا بعض الحمض فوق وجهه كي يصعب التعرف عليه , وتركاه لقرابة الساعة في السيارة ريثما تناولا عشاؤهما في أحد المطاعم , وأخيرا أخذا الجثة إلى خارج المدينة ورمياها تحت قنطرة صغيرة . بعدها عادا إلى المدينة حيث غسلا الدم عن ملابسهما ونظفا السيارة ثم أعاداها إلى صاحبها .
كل شيء تم كما كان مخططا له , كانت جريمة متقنة , خطفا الصبي وقتلاه ودارا بجثته في شوارع المدينة المزدحمة من دون أن يفطن لهما أحد . وحان الآن وقت الجزء الثاني من الخطة .. الفدية .
في ساعة متأخرة من ذلك المساء أتصل القاتلان بعائلة بوبي من هاتف عمومي , لم يكن في المنزل سوى فلورا , والدة بوبي , فالجميع كانوا قد ذهبوا للبحث عن بوبي بعدما تأخر في العودة إلى المنزل . القاتلان أخبرا فلورا بأنهما خطفا أبنها فسقطت المسكينة مغشيا عليها في الحال .
وفي صباح اليوم التالي وصل ظرف بريدي إلى منزل عائلة بوبي , كانت يحتوي على رسالة, وتضمنت الرسالة وعدا بإعادة بوبي إلى المنزل سليما مقابل فدية مقدراها عشرة آلاف دولار , على أن يكون المبلغ من عملات نقدية قديمة فئة عشرين دولارا , وأن يوضع المبلغ كله في علبة سيجار ويلف جيدا بشريط لاصق , ثم على والد بوبي أن يحمل المبلغ إلى عنوان محدد في الرسالة وينتظر هناك بالقرب من هاتف عمومي . وتضمنت الرسالة تهديدا بقتل بوبي في حال إبلاغ الشرطة .
الرسالة التي بعثاها لعائلة بوبي ..
خطة ليوبولد ولوب كانت تقضي بالأتصال بوالد بوبي مجددا بعد وصوله إلى الهاتف العمومي الذي حدداه في رسالتهما , كانا سيطلبان منه أن يدخل إلى محطة القطارات القريبة ويقطع تذكرة إلى مدينة أخرى , وفي مرحلة معينة من الرحلة , عند نقطة محددة , على والد بوبي أن يتوجه إلى مؤخرة القطار ويرمي بالنقود إلى الخارج , فيأتي القاتلان ويلتقطانها من دون أن يعرضا نفسيهما لأي خطر ..
كانت خطة عبقرية ..
وبالفعل عند الساعة الرابعة من عصر ذلك اليوم أتصل القاتلان بالهاتف العمومي الذي حدداه لوالد بوبي . لكن أحدا لم يرد . أعادا الاتصال عدة مرات .. لكن لا رد .. فنظر أحدهما إلى الآخر بقلق .. ماذا حدث ؟ .. هل فشلت الخطة ؟ .
ما لم يدركه الشابان في ذلك الوقت هو أن أحد المزارعين عثر على جثة بوبي في صباح اليوم التالي للجريمة . طبعا الشرطة لم تكن تعلم من هو القتيل , لكنها بحثت في البلاغات المقدمة مؤخرا عن فقدان صبي مراهق ولم يكن هناك سوى بلاغ واحد مقدم من عائلة بوبي فاتصلت الشرطة بهم وذهب خال بوبي لمعاينة الجثة في المشرحة .
وفي عصر ذلك اليوم , بينما كان والد بوبي يتأهب لركوب سيارته للذهاب إلى المكان الذي حدده القاتلان لتسلم مبلغ الفدية , أتصل به شقيق زوجته من المشرحة وأخبره بأن الجثة تعود لبوبي .
لكن القاتلان لم يعلما بعثور الشرطة على جثة بوبي إلا بعد يومين عندما نشرت الصحف المحلية الخبر , وبالرغم من فشل الجزء الثاني من خطتهما إلا أنهما لم يهتما كثيرا , فالمال لم يكن غايتهما , ولا يوجد أبدا ما يمكن أن يقود الشرطة إليهما , حتى الآلة الكاتبة التي طبعا عليها طلب الفدية قاما بتحطيمها ودفنها , كانا موقنين بأنهما لم يتركا ورائهما أي دليل أو أثر .
لكنهما كانا على خطأ .
النظارة التي اوقعت بالقتلة ..
فرغم أن تحقيقات الشرطة كانت تسير في اتجاه خاطئ وبعيد تماما عن القتلة الحقيقيين , حيث حامت الشبهات حول معلمي بوبي في المدرسة وجرى بالفعل احتجاز اثنان منهم . لكن يد الأقدار تدخلت لتعيد الأمور إلى نصابها الصحيح . فالشرطة كانت قد استدعت والد بوبي من اجل سؤاله عن بعض الأمور , وبعد انتهاء التحقيق , بينما كان والد بوبي يتأهب للمغادرة , سلمه المحقق نظارة قائلا أنها نظارة بوبي عثروا عليها بجوار جثته , فتعجب والد بوبي من ذلك وقال بأن أبنه لم يكن يرتدي نظارة . فعلمت الشرطة عندئذ بأن النظارة تعود للقاتل . وفي الحقيقة كانت النظارات تعود لليوبولد , وقد سقطت منه أثناء نقل الجثة إلى أسفل القنطرة .
الشرطة لم تعطي هذا الدليل أهمية كبيرة , فهناك ملايين الناس يرتدون النظارات , ومن المستبعد أن تقود النظارة إلى كشف القاتل . لكن عندما عرضوا النظارة على خبير العدسات أخبرهم بأن عدساتها مصنوعة بآلية نادرة جدا , وبالرجوع إلى السجلات تبين أن هناك ثلاث أشخاص فقط في شيكاغو يمتلكون مثل هذه النظارات , أحدهم هو ناثان ليوبولد , والذي أصبح المشتبه به الرئيسي في القضية لأن يسكن في نفس الحي ولديه معرفة قديمة ببوبي وعائلته .
القت الشرطة القبض عليهما ..
عند سؤال الشرطة لليوبولد عن نظارته قال بأنها سقطت منه أثناء ممارسته لهوايته في مراقبة الطيور البرية , وعند سؤاله عن مكان تواجده خلال ليلة مقتل بوبي زعم بأنه كان بصحبة لوب وبأنهما قضيا المساء برفقة مومسين . فأخذت الشرطة تحقق مع لوب أيضا , وبسؤال الاثنين على انفراد ظهر بعض التناقض في أقوالهما . فأدرك المحققون بأنهما يخفيان شيئا ما , وبالضغط عليهما أكثر بدءا ينهاران , وكان لوب هو أول من أعترف, زعم بأنه لم يقتل بوبي , قال بأنه كان يقود السيارة وبأن ليوبولد هو الذي وجه الضربة القاتلة للفتى , وحين اخبروا ليوبولد بذلك لم يجد هو الأخر مناصا من الاعتراف , فزعم هو أيضا بأنه لم يكن القاتل , وبأن لوب هو الذي قتل بوبي . ومن غير المعروف حتى يومنا هذا أيهما كان صادقا وأيهما كان يكذب .
أخبار القبض على القاتلين سرعان ما انتشرت كالنار في الهشيم , كانت جريمة غريبة نالت اهتماما واسعا , فالقاتلان أعترفا بأنهما لم يكونا بحاجة إلى المال , وبأن الدافع من جريمتهما لم يكن سوى لذة القتل نفسها , وتحقيق فكرة "الجريمة المثالية المتكاملة" التي استحوذت عليهما .
في المحكمة مع المحامي ..
محاكمة الشابين سميت بمحاكمة القرن , وقد توقع الجميع بأن يحصلا على عقوبة الإعدام , لكن والديهما الثريين قاما بتعيين أحد أشهر وأفصح وأنجح المحاميين في أمريكا آنذاك , المحامي كلارنس دارو , أوكلاه مهمة الدفاع عن أبنيهما . وكان دارو معروفا بمناهضته الشديدة لعقوبة الإعدام , وخلال المحاكمة ألقى واحدة من أروع المرافعات في تاريخ القضاء الأمريكي , فنجح في إنقاذ رقبة موكليه من حبل المشنقة , وعوضا عن ذلك نال كل منها حكما بالسجن المؤبد .
حياة السجن لم تكن سهلة بالنسبة لشابين مترفين . ففي عام 1936 لقي لوب مصرعه ذبحا بالموس خلال شجار مع زميل آخر في الحمام أراد الاعتداء عليه جنسيا . أما ليبوليد فقد أمضى 33 عاما في السجن , ولم يطلق سراحه إلا في عام 1958 بعد حصوله على عفو .
أطلق سراحه بعد 33 عاما ..
ليوبولد واجه صعوبة في الاندماج مع المجتمع من جديد , وظلت أشباح الماضي تلاحقه وكان الناس يتحاشونه , فحاول الابتعاد عن كل ذلك بالهجرة إلى بورتوريكو حيث تزوج هناك من أرملة وعمل لسنوات كمدرس رياضيات . وألف قبل موته كتابا عن الطيور في بورتوريكو .
ناثان ليبولد مات بالسكتة القلبية عام 1971 .
موت ليوبولد لم يعني موت قصته , فالجريمة التي أقترفها مع صديقه لوب مازالت موضع اهتمام الدارسين والباحثين في مجال العلوم الجنائية والنفسية والقانونية . فهذه الجريمة تؤكد بأن دوافع القتل لا تكون دوما متعلقة بالفقر أو التربية الخاطئة أو الدوافع الجنسية كما يحسب معظم الناس , فهناك من يقتل لا لشيء إلا من أجل متعة ولذة القتل .
قصة ليوبولد ولوب تم اقتباسها في الكثير من الأفلام والمسلسلات , أشهرها فلم الحبل لألفريد هتشكوك عام 1948 وفلم أكراه عام 1959 .
ختاما ..
هل كانا ذكيين حقا ؟ ..
أنا شخصيا بعد قراءتي لهذه القصة رحت أتسأل مع نفسي , هل كان ليوبولد ولوب بهذا الذكاء الموصوف عنهما حقا ؟ .. لماذا لم يقوما بدفن الجثة بدل إلقائها تحت قنطرة ؟ .. لو فعلا ذلك , ربما لنجوا بفعلتهما .
لكن قد يكونا تعمدا عدم دفن الجثة  .. ربما كان الأمر بالنسبة لهما بمثابة تحدي .. أن يرتكبا جريمة قتل وتكون ظاهرة وينجوان بفعلتهما .
هناك من يقول بأن قضية ليوبولد ولوب هي دليل على أنه لا توجد جريمة كاملة .. لكني أظنه على خطأ , فهناك فعلا جرائم لم تعرف هوية القاتل فيها أبدا . أشهرها قضية جاك السفاح والداليا السوداء والسفاح زودياك وغيرها الكثير الكثير من القضايا التي بقيت بلا حل حتى يومنا هذا ..
لا بل إن هناك بلدانا يقتل الأبرياء فيها كل يوم وينجوا القتلة من أي عقاب .. ولا عزاء للضحايا سوى الأمل في عدالة وعقاب الآخرة .

الأربعاء، 19 مارس 2014

المياه السوداء .. قصة لا تصدق لكنها حقيقية

لسنوات طويلة كتبت عن الجن والأشباح والبيوت المسكونة وغيرها من الأمور الغيبية التي تعجز الحواس عن إدراكها . وأنا بصراحة لا آخذ الكثير من هذه القصص على محمل الجد , هي بالنسبة لي لا تعدو عن كونها ضربا من ضروب التسلية والترفيه . غير أني ومن باب احترام الذات , أحاول دوما أن أذيل مقالاتي بتفسير منطقي للقضايا التي أكتب عنها , أو أن أعرض آراء المشككين , تاركا القرار النهائي في تصديق وتكذيب القصة لحصافة وحكمة القارئ الكريم . لكني وعلى غير العادة أجد نفسي في حيرة كبيرة من أمري فيما يخص القصة التي أروم الكتابة عنها الآن , لأنها ببساطة لا تخضع لأي منطق . هي من نوع القصص التي تزيد من حيرتك وإرباكك كلما تعمقت في تفاصيلها أكثر . ولعلني اليوم أحوج ما أكون إلى رأيك عزيزي القارئ .. لعلنا معا نتوصل لرأي معقول يفسر ملابسات قصتنا الغريبة التي تنطلق أحداثها من غرف النزلاء في فندق ضخم وقديم ينتصب كديناصور محتضر على جانب أحد الشوارع العريضة في لوس انجلوس الأمريكية . أسمه فندق سيسل , ويمكن تمييزه بسهولة من خلال إعلان أحمر عملاق يعلو جانبه الأيسر . كان يعد واحدا من أرقى وأجمل فنادق المدينة في غابر الأيام , لكن تعاقب الملمات والسنين , وتراكم المشاكل المالية , وزيادة المنافسين , كل ذلك حول الفندق ذو الواجهة الكلاسيكية إلى مبنى منسي يؤجر غرفه السبعمائة لأولئك الباحثين عن سكن رخيص لا يخلو من بعض الأبهة .

المياه السوداء

سيسل .. فندق ضخم وقديم ..
في شهر شباط / فبراير 2013 , لاحظ بعض نزلاء فندق سيسل بأن مياه الحنفيات في غرفهم أصبحت ذات لون أسود وطعم غريب ورائحة نفاذة . أحد النزلاء وصف تلك المياه قائلا : " كان طعمها في غاية الغرابة .. طعم تعجز الكلمات عن وصفه " . فيما قالت نزيلة أخرى : " الاستحمام كان تجربة مروعة , عند فتح الصنبور كانت المياه تأتي سوداء لحوالي ثانيتين ثم تعود بالتدريج إلى لونها الطبيعي " .
الغريب في الأمر , أن هؤلاء النزلاء لم يشتكوا فورا لإدارة الفندق واستمروا باستعمال تلك المياه السوداء لحوالي أسبوعين ظنا منهم بأن الأمر طبيعي . لكن أخيرا في 21 شباط / فبراير أتصل احدهم بإدارة الفندق وتذمر من طعم المياه الذي أصبح لا يطاق , فأرسلت الإدارة أحد عمالها لتحري المشكلة , وقاد هذا الأمر سريعا إلى اكتشاف مروع جعل النزلاء يتقيئون ما في بطونهم من شدة التقزز , ففي أحد خزانات المياه الأربعة الضخمة التي تعلو سطح الفندق تم اكتشاف جثة متحللة تعود لنزيلة شابة تدعى إليسا لام – 21 عاما – كانت قد اختفت عن الأنظار منذ حوالي ثلاثة أسابيع .
رجال الاطفاء واجهوا صعوبة كبيرة في اخراج الجثة ..
تصور عزيزي القارئ .. ثلاثة أسابيع والنزلاء يشربون ويغسلون وجوههم وأسنانهم ويستحمون بـ "حساء" جثة متحللة بالخزان ! .. أحد هؤلاء النزلاء تحدث عن صدمته قائلا : " في اللحظة التي اكتشفنا فيها الأمر شعرنا فورا بالغثيان وبعدم راحة في المعدة , خصوصا ونحن كنا قد شربنا من ذلك الماء . حاليا نحن نمر بحالة نفسية سيئة " .
القصة أثارت استغراب الناس عندما نشرت الصحف تفاصيلها لأول مرة , وراح الجميع يتساءلون : ما الذي تفعله جثة هذه الفتاة الشابة في خزان المياه بحق السماء ؟! .
محققو الشرطة وضعوا فرضيتين للإجابة على هذا السؤال , الأولى ترى أن إليسا لام تعرضت للقتل في مكان ما من الفندق ثم حملت جثتها للسطح وألقيت في الخزان . أما الفرضية الثانية فتميل إلى كون إليسا ماتت منتحرة , وهي الفرضية التي رجحت كفتها بالنهاية خصوصا وأن تقرير الطبيب الشرعي لم يظهر وجود أي آثار للعنف على الجثة . وساهم تاريخ إليسا الطبي في تقبل فرضية الانتحار , فهي بحسب السجلات كانت تعاني مما يعرف باختلال ثنائي القطب , وهو مرض نفسي يتميز بفترات من الكآبة الشديدة تتخللها نوبات من الابتهاج غير الطبيعي الذي يمكن أن يؤدي بالمريض للقيام بأعمال تتسم بالتهور والطيش والخطورة .
اليسا لام مع والدتها وشقيقتها في كندا ..
لكن فرضية الشرطة حول انتحار إليسا لام أثارت امتعاض الكثيرين لأن هناك العديد من العيوب والثغرات التي تشوبها . فمن أجل الوصول لسطح الفندق كان على إليسا أن تجتاز باب مزود بجرس ونظام إنذار , وحتى لو افترضنا بأنها تجاوزت ذلك الباب من دون أن ينتبه لها أحد فأن الوصول إلى الخزانات بحد ذاته ليس بالأمر السهل , فهي تقع في مكان قصي من السطح , يتطلب التسلق نزولا وصعودا , وفوق هذا كله يوجد قفل على غطاء كل واحد من تلك الخزانات الأربعة الضخمة . كما إن الجثة كانت عارية ساعة العثور عليها , ولم يتم العثور على أي ملابس بالقرب من الخزانات , فهل صعدت إليسا إلى السطح وهي عارية ؟ .

مقطع الفيديو

ما الذي اتى بها للوس انجلوس ؟ ..
ملابسات القضية تزداد غرابة حين نعلم بأن إليسا لام هي طالبة جامعية من أصل صيني تدرس في إحدى الجامعات الكندية , ومن غير المعلوم ما الذي أتى بها لوحدها إلى مدينة لوس انجلوس الأمريكية , ولماذا اختارت فندق سيسيل لإقامتها ؟ .. فالفندق يقع بالقرب من أسوأ حي في المدينة .. حي سكيد رو الذي يعيش أغلب سكانه في فقر مدقع ويغص بالمشردين والمجرمين . كما أن مقطع الفيديو الذي سجلته إحدى كاميرات المراقبة بالفندق في الليلة التي سبقت اختفاء إليسا وضع المزيد من علامات الاستفهام حول اختفائها وموتها , فهذا المقطع الذي لا تتجاوز مدته الأربع دقائق يصور اللحظات الأخيرة في حياة إليسا لام , وفيه نشاهدها وهي تدخل إلى أحد مصاعد الفندق وتبدأ بالنقر على أزراره لكنه لا يتحرك , ثم فجأة تبدأ بالتصرف بغرابة شديدة , كأنها تحاول الاختباء من شخص خفي يلاحقها من دون أن نراه , ثم نراها تخرج وتقف عند باب المصعد وتقوم بحركات تثير الدهشة والاستغراب , كأنها تكلم أحدا , لكننا لا نرى سواها , وأخيرا تبتعد عن المصعد فيبدأ بالعمل من تلقاء نفسه بطرز غامض ومرموز . 
أتمنى أن تشاهد المقطع عزيزي القارئ .. لا تخف فهو لا يحتوي على أي شيء يمكن أن يثير الذعر , لكنه بصراحة قد يصبح مرعبا حد الفزع عندما تبدأ بالتفكير فيه بعد إتمامك لقراءة هذا المقال .
مقطع الفيديو المثير للريبة .. ما ستفعله اليسا لام في هذا المقطع محير فعلا ..
هذا المقطع دفع الكثير من الناس للاعتقاد بأن ما حدث لم يكن مجرد حادث عرضي كما تقول الشرطة , وأن وراء موت إليس لام لغز كبير يسعى البعض إلى إخفاءه وطمس خباياه وأسراره . فالفتاة على الأرجح ماتت مقتولة , ويذهب البعض أبعد من ذلك فيربطون بين موتها وبين أمور هي أبعد من إدراكنا نحن البشر , إذ يقسم العديد ممن شاهدوا المقطع على أنهم شعروا بالدماء تتجمد في عروقهم حين غادرت إليسا المصعد واخذ الباب يفتح ويغلق من تلقاء نفسها , يقول هؤلاء بأن المصعد لم يكن فارغا كما يبدو , كان هناك شيء شرير وشيطاني داخله .. شيء لا يمكن للكلمات أن تصفه .

فندق سيسل .. تاريخ أسود

العديد من النزلاء انتحروا ..
هناك شيء لا يعرفه الكثير من النزلاء الذين تقودهم خطاهم للسكن في فندق سيسل , فهذا الفندق الضخم كان مسرحا للكثير من الأمور الشريرة والملعونة منذ تأسيسه وافتتاحه عام 1927 . العديد من نزلاءه ماتوا منتحرين لأسباب مجهولة , فتحوا نوافذ غرفهم وألقوا بأنفسهم إلى الأسفل .. وإليكم عينة من تلك الحوادث الغريبة :
هيلين جيرني ماتت منتحرة بعد أن قفزت من نافذة غرفتها بالطابق السابع عام 1954 .
جوليا مور ماتت منتحرة بعد أن قفزت من حجرتها بالطابق الثامن عام 1962 .
بولين اوتون قفزت من نافذة حجرتها بالطابق التاسع , سقطت فوق رأس رجل كان يمشى في الشارع فقتلته معها ! .
الداليا السوداء .. شوهدت في الفتدق قبل مقتلها ..
فندق سيسل شهد أيضا وقوع بعض الجرائم الغامضة , إذ يربط البعض بينه وبين الجريمة الأشهر في تاريخ لوس أنجلوس , أي مقتل إليزابيث شورت المعروفة بأسم الداليا السوداء , والتي لم يتم التوصل إلى قاتلها أبدا . الشرطة عثرت على جسدها الممزق أربا في مكان قريب من الفندق , وبحسب بعض الشهود فإنها شوهدت لآخر مرة وهي تخرج من إحدى غرف فندق سيسل .
فندق سيسل كان أيضا مسكنا لبعض أكثر القتلة المتسلسلين غرابة في الأطوار , أحدهم هو النمساوي جاك انترويغر , الذي ولد في النمسا لأم عاهرة وأب مجهول الهوية وأرتكب أولى جرائمه عام 1974 عندما خنق شابة ألمانية حتى الموت بواسطة حمالة صدرها , ثم توالت جرائمه فقتل ستة نساء خلال عام واحد فقط , حتى ألقي القبض عليه عام 1976 ونال حكما بالسجن المؤبد.
القاتل الذي تحول الى نجم من نجوم الادب ! ..
في السجن طرأ تحول عجيب على جاك , بدأ يكتب ببراعة وموهبة كبيرة , وأخذت كبريات الصحف تنشر قصصه وقصائده , لا بل أن إحدى تلك القصص تحولت إلى لفيلم سينمائي . وخرجت مظاهرات حاشدة يقودها بعض أشهر مثقفي النمسا تطالب بالعفو عنه , وبالفعل أطلق سراحه مبكرا عام 1990 , وسرعان ما تعاقدت معه صحيفة نمساوية مشهورة ليعد لها تقريرا عن الدعارة والجريمة في مدينة لوس انجلوس , فسافر إلى الولايات المتحدة وحل نزيلا في فندق سيسل , وأنهمك فورا في إعداد تقريره , فراح يقابل رجال الشرطة , ويتردد على المناطق التي تكثر فيها العاهرات . وخلال تلك الفترة عثرت الشرطة على جثث ثلاث عاهرات جرى قتلهن بأسلوب واحد , حيث تعرضن للضرب المبرح ثم خنقن بواسطة حمالات صدورهن , فبدأت الشكوك تحوم حول جاك , لكنه فر هاربا حين حاولت الشرطة إلقاء القبض عليه في الفندق , ولم يقع بيد العدالة إلا بعد عامين , وانتحر مشنوقا بخيط حذاءه قبل تقديمه للمحاكمة .
راميريز .. السفاح الذي هامت به النساء عشقا! .. كان يستعمل سكين كبيرة كتلك التي يحملها الممثل داني تريجو في الصورة ..
القاتل المتسلسل الثاني الذي عرفه فندق سيسل هو السفاح الرهيب ريتشارد راميريز .. الرجل الذي أشاع  الرعب في مدينة لوس انجلوس الأمريكية بشكل غير مسبوق . كان يقتحم البيوت عشوائيا , فيغتصب النساء ويقطع أوصال ضحاياه مستخدما سكينا طويلة , كان لا يتورع عن اغتصاب حتى العجائز , في إحدى المرات قام باغتصاب شقيقتين في الثمانين من العمر وكانت إحداهما عمياء .
جرائم راميريز أفظع وأشنع من أن نتطرق لها في هذه العجالة وقد نعود لحياته وجرائمه بمقال مستقل . لكن الجدير بالذكر هو أن راميريز كان نزيلا في حجرة على سطح فندق سيسل مقابل 14 دولار في الليلة . كان من عبدة الشيطان , وأشتهر بجعل ضحاياه يقسمون بالشيطان , ويقال بأنه جرائمه كانت جزءا من طقوس شيطانية سرية .
راميريز .. يلوح بشعار عبدة الشيطان ..
الرعب الذي أثاره راميريز في النفوس أمتد حتى إلى محاكمته , إذ هدد بقتل جميع من في المحكمة , وحدث فعلا خلال الجلسات الأولى أن ماتت إحدى المحلفات مقتولة بالرصاص على يد صديقها الذي انتحر هو أيضا . الأمر الذي جعل أعضاء هيئة المحلفين يرتعدون رعبا من راميريز ظنا منهم بأن له يدا بمقتل زميلتهم .
العجيب والطريف في قصة راميريز هو حصوله على العديد من المعجبات خلال وبعد محاكمته , وقد تزوج بإحداهن عام 1996 . وبالرغم من نيله حكما بالإعدام , إلا أنه لم يعدم أبدا , ومات بسرطان الورم اللمفي في 7 حزيران / يونيو 2013 , أي بعد شهور قليلة من حادثة موت إليسا لام .
الأمور الفظيعة التي وقعت في الفندق والتي ذكرنا قسما منها أعلاه دفعت بالبعض للاعتقاد بأن الفندق مسكون , وبأن موت إليسا يرتبط بشكل أو بآخر بهذه الحقيقة . وهناك بالفعل صورة محيرة ألتقطها أحد الأشخاص عن طريق الصدفة تظهر وجود ما يشبه الشبح على أحد نوافذ الفندق .. شبح رجل أو امرأة يتدلى من النافذة .. ربما ليلقي بنفسه إلى الأسفل منتحرا .

صدفة لا تصدق

ملصق فيلم الرعب المياه السوداء من انتاج عام 2005 ..
قصة إليسا لام تأبى أن تتوقف عن إدهاشنا , ففي عام 2005 تم عرض فيلم رعب بعنوان "المياه السوداء" في صالات العرض بأمريكا. الفيلم لاقى نجاحا جيدا في شباك التذاكر , وهو يتحدث عن سيدة تدعى داليا تنتقل مع ابنتها سيسليا للسكن في شقة بعمارة يشرف عليها رجل يدعى مستر فيك . بعد فترة قصيرة من انتقالها يبدأ سقف الشقة يرشح ماءا أسود . ومن خلال البحث عن مصدر الماء الأسود تصل داليا إلى خزان المياه أعلى المبنى لتكتشف وجود جثة داخله تعود لفتاة تدعى نتاشا كان والديها قد هجراها , وكان صاحب المبنى على علم بوجود جثة الفتاة لكنه لم يفعل شيء .
هذا الفيلم عرض قبل موت إليسا لام بثمانية أعوام , لكن هناك تشابه عجيب بين أحداث الفيلم وبعض تفاصيل القضية تصل إلى درجة النبوءة , ففي الفيلم هناك جثة في مياه الخزان , وهناك ماء أسود ينزل إلى غرف وحمامات النزلاء . والمحير أكثر هو أسماء أبطال الفيلم , فالبطلة الرئيسية أسمها داليا , وهو نفس الاسم الذي كان يطلق على إليزابيث شورت التي قتلت بصورة غامضة وكانت قد شوهدت في فندق سيسل مباشرة قبل اختفاءها ومقتلها , والمدهش أكثر هو أسم الابنة .. سيسليا .. أنه تحريف بسيط لأسم فندق سيسل ! .
صورة محيرة التقطها احدهم .. هل هو شبح يتدلى من النافذة ؟! ..
طبعا قد يقول البعض بأن الأمر لا يعدو عن كونه مصادفة .. لكن دعني أذهلك بمصادفة أخرى يصعب تصديقها .. فبعد موت أليسا لام بفترة قصيرة تفشى وباء السل في حي سكيد رو القريب من فندق سيسل , وأدى هذا الوباء إلى موت العشرات وإصابة الألوف , مما أدخل المدينة بأسرها في حالة طوارئ ..
هل تعلم عزيزي القارئ ما أسم الجرثومة المسببة لذلك الوباء ؟ .. صدق أو لا تصدق .. أسمها لام إليسا (LAM-ELISA ) , أي نفس أسم بطلة قصتنا إليسا لام (Elisa Lam ) لكن بالمقلوب !!! ..

فرضيات

قضية إليسا لام أثارت الكثير من الجدل وتم وضع العديد من الفرضيات والنظريات التي حاولت تفسير ما حدث . إليك بعضها عزيزي القارئ :
وحده الله هو الذي يعلم ما الذي حدث لهذه الفتاة الجميلة ..
- إليسا لام كانت فتاة مريضة تعاني من اضطرابات نفسية وعقلية , والفيديو في المصعد يظهر بجلاء مدى اضطرابها , ولهذا فأن تفسير الشرطة لموتها هو الأقرب إلى المنطق في ظل عدم وجود أي دليل على تعرضها للعنف .
- إليسا لام قتلت على يد أحد العاملين في الفندق , وهذا يفسر كيفية وصول جثتها للخزان من دون أن يدق جرس الإنذار الموصول إلى الباب المؤدي للسطح .
- الفتاة كانت ممسوسة , ومقطع الفيديو في المصعد هو أكبر دليل على ذلك , لأنها في الحقيقة كانت تتكلم مع شخص غير مرئي , وهذا الشخص , أو بالأحرى الكيان الماورائي هو الذي قادها إلى الخزان أعلى الفندق .
- مقتل الفتاة كان جزءا من طقوس سرية لعبدة الشيطان , تم خلاله استخدام السحر الأسود , وهذا يفسر جميع الأحداث الغريبة المرتبطة بالقضية , فالفتاة اختيرت بعناية كبيرة , وتم التحضير للتضحية بها قبل مقتلها بعدة سنوات .
ما رأيك أنت عزيزي القارئ .. أي من هذه الفرضيات يبدو أكثر إقناعا لديك ؟ .

الجمعة، 7 فبراير 2014

طاوي الليل

طاوي الليل

طاوي الليل .. يتجسد ليلا في الطرقات ..
أسطورة نشأنا معها حكاها البعض مؤمنا بأنها حقيقة ونقلها البعض مندهشا بأنها غريبة
ارتجفنا معها صغارا ولاحقت مغامراتنا الليلية ونحن شبابا
(العظروط)  او (طاوي الليل) أسطورة يمنية خالصة لكنها كغيرها من الأساطير تمد جدائلها الطويلة إلى كل مكان فنجد شبيهاتها في كل ثقافات الشعوب .
(العظروط )  أو (طاوي الليل) نوع من الجان يتجسد ليلا في الطرقات قد يظنه الإنسان من بعيد ادميا لكنه ما إن يقترب منه ويدقق في ملامحه وتفاصيل جسده حتى يقشعر بدنه فرقا ورعبا فهذا الكائن المرعب لا يمت لعالمنا بصلة ..
وينتفخ الجني المرعب ويزداد طوله بشكل مهول كأنه عمود من دخان ،  فيتجمد من يراه خوفا ورهبه
ثم وببساطة بعيدة كل البعد عن هذا الاستعراض المفزع يختفي ذلك الشيء في دياجير الظلام
من سمات هذا الكائن ظهوره المتكرر في نفس المكان واستعراضه الصامت المرعب واختفائه دون أن يلحق بمن يشاهده أي ضرر عدا الضرر النفسي الذي قد يصل إلى الجنون أو الذبحة القلبية 
وذلك دأب الأشباح المرعبة أو بعضها في كل الثقافات

الخميس، 6 فبراير 2014

القط الأسود

لست أتوقع منكم، بل لست أطلب أن تصدقوا الوقائع التي أسطرها هنا لقصة هي أغرب القصص وإن كانت في الآن عينه مألوفة للغاية.
سوف أكون مجنوناً لو توقعت أن تصدقوا ذلك، لأن حواسي ذاتها ترفض أن تصدق ما شهدته ولمسته.
غير أنني لست مجنوناً – ومن المؤكد أنني لا أحلم- وإذ كنت ملاقياً حتفي غداً فلا بد لي من أن أزيح هذا العبء عن روحي.
ما أرمي إليه هو أن أبسط أمام العالم، بوضوح ودقة، وبلا أي تعليق، سلسلة من الوقائع العادية جداً. إنها الوقائع التي عصفت بي أهوالها و واصلت تعذيبي ودمرتني. مع ذلك لن أحاول تفسيرها وإذا كنت لا أجد فيها غير الرعب فإنها لن تبدو للآخرين مرعبة بقدر ما ستبدو نوعاً من الخيال الغرائبي المعقد.
قد يجيء في مقبل الأيام ألمعي حصيف يبين له تفكيره أن هذا الكابوس مجرد أحداث عادية – وربما جاء ألمعي آخر أكثر رصانة وأرسخ منطقاً وتفكيره أقل استعداداً للإثارة من تفكيري، ليرى في الأحداث التي أعرضها بهلع مجرد تعاقب مألوف لأسباب طبيعية ونتائجها المنطقية.
عُرِفْت منذ طفولتي بوداعتي ومزاجي الإنساني الرقيق، حتى أن رقة قلبي كانت على درجة من الإفراط جعلتني موضوع تندر بين زملائي. وقد تميزت بولع خاص بالحيوانات مما جعل أبواي يعبّران عن تدليلهما لي بإهدائي أنواعاً من الحيوانات المنزلية. مع هذه الحيوانات كنت أمضي معظم أوقاتي ، ولم أعرف سعادة تفوق سعادتي حين كنت أطعمها وأداعبها. نمت هذه الطباع الغريبة مع نموي، وكانت لي في طور الرجولة أكبر منابع المتعة.
الذين عرفوا مشاعر الولع بكلب أمين ذكي سوف يفهمون بسهولة ما أود قوله عن مدى البهجة المستمدة من العناية بحيوان أليف. إن في تعلق الحيوان بصاحبه تعلقاً ينـكر الـذات ويضـحي بها ما يخترق قلب الإنسان الذي هيأت له الظروف أن يعاني من خسة الصداقة وضعف الوفاء عند الجنس البشري.
تزوجت في سن مبكرة، وقد أسعدني أن أجد في مزاج زوجتي ما لا يناقض مزاجي. وإذ لاحظت ولعي بالحيوانات المنزلية لم تترك مناسبة تمر دون أن تقتني منها الأجناس الأكثر إمتاعاً وإيناساً. هكذا تجمع لدينا طيور وأسماك ذهبية وكلب أصيل وأرانب وقرد صغير وقط.
كان هذا القط كبير الحجم بشكل مميز، جميل الشكل، أسود اللون بتمامه، وعلى قدر عجيب من الذكاء، كانت زوجتي التي لا أثر للمعتقدات الخرافية في تفكيرها، حين تتحدث عن ذكائه تشير إلى الحكايات الشعبية القديمة التي تعتبر القطط السود سحرة متنكرين. هذه الإشارات لا تعني أنها كانت في يوم من الأيام جادة حول هذه المسألة. أذكر هذا لسبب وحيد هو أنه لم يرد إلى ذهني قبل هذه اللحظة.
كان بلوتو – وهذا هو اسم القط- حيواني المدلل وأنيسي المفضل، أطعمه بنفسي، ويلازمني حيثما تحركت في البيت. بل كنت أجد صعوبة لمنعه من اللحاق بي في الشارع.
دامت صداقتنا على هذه الحال سنوات عديدة، تبدل خلالها مزاجي وساء سلوكي بفعل إدماني للخمر (إني أحمرّ خجلاً إذ أعترف بذلك) ويوما بعد يوم تزايدت حدة مزاجي وشراستي، واستعدادي للهيجان، وتزايد استهتاري بمشاعر الآخرين. ولكم عانيت وتألمت بسبب التعابير القاسية التي رحت أوجهها إلى زوجتي، حتى أنني في النهاية لجأت إلى العنف الجسدي في التعامل معها.
وبالطبع فقد استشعرت حيواناتي هذا التغير في مزاجي. ولم أكتف بإهمالها بل أسأت معاملتها. وإذا كان قد بقي لبلوتو بعض الاعتبار مما حال دون إساءتي إليه فإنني لم أستشعر دائماً في الإساءة إلى الأرانب أو القرد، أو حتى الكلب، كلما اقتربت مني مصادفة أو بدافع عاطفي. غير أن مرضي قد تغلب علي – وأي مرض كالمسكرات!- ومع الأيام حتى بلوتو الذي صار هرماً ومن ثم عنيداً نكداً بدأ يعاني من نتائج مزاجي المعتل.
ذات ليل كنت عائداً إلى البيت من البلدة التي كثر ترددي إليها وقد تعتعني السكر؛ وخيل إلي أن القط يتجنب حضوري؛ فقبضت عليه، وإذ أفزعته حركاتي العنيفة جرحني بأسنانه جرحاً طفيفاً فتملكني غضب الأبالسة. وبدا أن روحي القديمة قد اندفعت على الفور طائرة من جسدي؛ وارتعد كل عرق في هيكلي بفعل حقد شيطاني غذاه المخدر. فتناولت من جيب سترتي مطواة، فتحتها وقبضت على عنق الحيوان المسكين واقتلعت عامداً إحدى عينيه من محجرها! إنني احتقن، أحترق، أرتعد حين أكتب تفاصيل هذه الفظاعة الجهنمية.
لما استعدت رشدي في الصباح – لما نام هياج الفسوق الذي شهده الليل- عانيت شعوراً هو مزيج من الرعب والندم بسبب الجريمة التي ارتكبتها، غير أن ذلك كان في أحسن الحالات شعوراً ضعيفاً وملتبساً لم يبلغ مني الأعماق. ومن جديد استحوذ علي الإفراط في الشراب. وسرعان ما أغرقت الخمرة كل ذكرى لتلك الواقعة.
في هذه الأثناء أخذ القط يتماثل للشفاء تدريجياً. صحيح أن تجويف العين الفارغ كان يشكل منظراً مخيفاً لكن لم يبد عليه أنه يتألم، وعاد يتنقل في البيت كسابق عهده، غير أنه كما هو متوقع، كان ينطلق وقد استبد به الذعر كلما اقتربت منه. كانت ماتزال لدي بقايا من القلب القديم بحيث ينتابني الحزن إزاء هذه الكراهية الصارخة التي يبديها لي كائن أحبني ذات يوم. لكن سرعان ما حل الانزعاج محل الحزن. وأخيراً جاءت روح الانحراف لتدفعني إلى السقوط الذي لا نهوض منه. هذه الروح لا توليها الفلسفة أي اعتبار. مع ذلك لست واثقاً من وجود روحي في الحياة أكثر من ثقتي أن الانحراف واحد من النوازع البدائية في القلب البشري، واحد من الملكات أو المشاعر الأصيلة التي توجه سلوك الإنسان. من منا لم يضبط نفسه عشرات المرات وهو يقترف إثماً أو حماقة لا لسبب غير كون هذا العمل محرماً؟ أليس لدينا ميل دائم، حتى في أحسن حالات وعينا، إلى خرق ما يعرف بالقانون لمجرد علمنا بأنه قانون؟ روح الانحراف هذه هي التي تحركت تدفعني إلى السقوط النهائي. إنها رغبة النفس الدفينة لمشاكسة ذاتها – لتهشيم طبيعة ذاتها- لاقتراف الإثم لوجه الإثم، هذه الرغبة التي لا يسبر غورها هي التي حرضتني على مواصلة الأذى ضد الحيوان الأعزل، وأخيراً الإجهاز عليه.
فلم باتجك سلافيسا
لففت حول عنقه أنشوطه وعلقته بغصن شجرة ..
ذات صباح وعن سابق تصور وتصميم لففت حول عنقه أنشوطه وعلقته بغصن شجرة ..شنقته والدموع تتدفق من عيني، وفي قلبي تضطرم أمرّ مشاعر الندم؛ شنقته لعلمي أنني بذلك أقترف خطيئة، خطيئة مميتة سوف تعرض روحي الخالدة للهلاك الأبدي، وتنزلها إن كان أمر كهذا معقولاً، حيث لا تبلغها رحمة أرحم الراحمين والمنتقم الجبار.
في الليلة التي وقع فيها هذا الفعل الشنيع، استيقظت من النوم على صوت النيران. كان اللهب يلتهم ستائر سريري والبيت بكامله يشتعل. ولم ننج أنا وزوجتي والخادم من الهلاك إلا بصعوبة كبيرة. كان الدمار تاماً. ابتلعت النيران كل ما أملك في هذه الدنيا، واستسلمت مذ ذاك للقنوط واليأس.
لم يبلغ بي الضعف مبلغاً يجعلني أسعى لإقامة علاقة سببية بين النتيجة وبين الفظاعة التي ارتكبتها والكارثة التي حلت بي. لكنني أقدم سلسلة من الوقائع وآمل ألا أترك أي حلقة مفقودة في هذا التسلسل.
في اليوم الذي أعقب الحريق ذهبت أزور الأنقاض. كانت الجدران جميعها قد تهاوت باستثناء جدار واحد، هذا الجدار الذي نجا بمفرده لم يكن سميكاً لأنه جدار داخلي يفصل بين الحجرات ويقع في وسط البيت، وإليه كان يستند سريري من جهة الرأس. وقد صمد طلاء هذا الجدار و تجصيصه أمام فعل النيران. وهو أمر عزوته إلى كون التجصيص حديثاً. أمام هذا الجدار كان يتجمهر حشد من الناس وبدا أن عدداً كبيراً منهم يتفحص جانباً مخصوصاً منه باهتمام شديد، فحركت فضولي تعابير تصدر عن هذا الحشد من نوع (عجيب!) (غريب!) دنوت لأرى رسماً على الجدار الأبيض كأنه حفر نافر يمثل قطاً عملاقاً. كان الحفر مدهشاً بدقته ووضوحه، وبدا حبل يلتف حول عنق الحيوان.
عندما وقع نظري لأول مرة على هذا الشبح، إذ لم أكن أستطيع أن أعتبره أقل من ذلك، استبد بي أشد العجب وأفظع الذعر. غير أن التفكير المحلل جاء ينقذني من ذلك. لقد كان القط على ما أذكر معلقاً في حديقة متاخمة للبيت؛ فلما ارتفعت صيحات التحذير من النار، غصت الحديقة فوراً بالناس، ولابد أن شخصاً ما قد انتزعه من الشجرة وقذف به عبر النافذة إلى غرفتي، وربما كان القصد من ذلك تنبيهي من النوم. ولابد أن سقوط الجدران الأخرى قد ضغط ضحية وحشيتي على مادة الجص الحديث للطلاء؛ اختلط كلس هذا الطلاء بالنشادر المتصاعد من الجثة وتفاعل به بتأثير النيران فأحدث الرسم النافر الذي رأيته.
ومع أنني قدمت هذا التفسير لأريح عقلي، إن لم أكن قد فعلت ذلك لأريح ضميري، فإن المشهد الغريب الذي وصفته لم يتوقف عن التأثير في مخيلتي، وعلى مدى أشهر لم أستطع أن أتخلص من هاجس القط؛ خلال هذه الفترة عاودني شعور بدا لي أنه الندم، ولم يكن في الحقيقة كذلك. لم يكن أكثر من أسف على فقد حيوان، وتفكير بالحصول على بديل من النوع نفسه والشكل نفسه ليحل محله.
في إحدى الليالي، فيما كنت جالساً، شبه مخبول، في وكر من أوكار العار، إذ أنني أدمنت الآن ارتياد هذه الأماكن الموبوءة، جذب انتباهي فجأة شيء أسود فوق برميل ضخم من براميل الجن أو شراب الروم، البراميل التي تشكل قطع الأثاث الرئيسية في ذلك المكان، كنت طوال دقائق أحدق بثبات في رأس البرميل، وما سبب دهشتي هو أنني لم أتبين للحال طبيعة الشيء باستثناء شيء واحد. إذ لم تكن في أي مكان من جسم بلوتو شعرة بيضاء واحدة؛وكانت لهذا القط بقعة بيضاء غير واضحة الحدود تتوزع على منطقة الصدر بكاملها.
حالما لمسته نهض وأخذ يخط بصوت مرتفع ويتمسح بيدي، وبدا مسروراً باهتمامي له، وإذن هذا هو بالضبط ما كنت أبحث عنه. للحال عرضت على صاحب البيت شراءه، لكن هذا أجاب بأنه لا يملكه ولا يعرف شيئاً عنه، ولم يره من قبل.
واصلت مداعبتي له، ولما تهيأت للذهاب، اتخذ وضعية تبين أنه يريد مرافقتي، فتركته يصحبني، وكنت بين الحين والآخر أتوقف وأربت على ظهره أو أمسح رأسه. لما وصل إلى البيت بدا أليفاً ولم يظهر عليه أي استغراب. وعلى الفور صار أثيراً لدى زوجتي.
أما أنا فسرعان ما وجدت المقت يتصاعد في أعماقي، وكان هذا عكس ما توقعته. ولم أستطع أن أفهم كيف تعلق القط بي ولا سبب هذا التعلق الواضح الذي أثار اشمئزازي وأزعجني. وأخذ الانزعاج والاشمئزاز يتزايدان شيئاً فشيئاً ويتحولان إلى كراهية مريرة، فأخذت أتجنب هذا الكائن؛ كان إحساس ما بالعار، وذكرى فظاعتي السابقة يمسكان بي عن إلحاق الأذى الجسدي به. وامتنعت طوال أسابيع عن ضربه أو معاملته بعنف، لكن تدريجياً - وبتدرج متسارع- أخذت أنظر إليه بكره لا يوصف وأبتعد بصمت عن حضوره البغيض كما أبتعد عن لهاث مصاب بالطاعون.
ما أكدَّ كرهي لهذا الحيوان هو اكتشافي، صبيحة اليوم التالي لوصوله أنه مثل بلوتو، قد فقد إحدى عينيه، غير أن هذا زاد من عطف زوجتي عليه لأنها كما ذكرت تملك قدراً عظيماً من المشاعر الإنسانية التي كانت ذات يوم ملامحي المميزة، ومنبعاً لأكثر المسرات براءة ونقاء.
كان هيام القط بي يزداد بازدياد بغضي له، فكان يتبع خطواتي بثبات يصعب إيضاحه، فحيثما جلست، كان يجثم تحت مقعدي، أو يقفز إلى ركبتي ويغمرني بمداعباته المقززة، فإذا نهضت لأمشي اندفع بين قدمي وأوشك أو يوقعني، أو غرز مخالبه الطويلة الحادة في ثيابي ليتسلق إلى صدري، ومع أنني كنت أتحرق في مناسبات كهذه لقتله بضربة واحدة فقد كنت أمتنع عن ذلك بسبب من ذكرى جريمتي السابقة إلى حد ما، لكن بصورة أخص – ولأعترف بذلك حالاً- بسبب الرعب من هذا الحيوان.
لم يكن هذا الرعب خوفاً من شر مادي مجسد، مع ذلك أحار كيف أحدده بغير ذلك، يخجلني أن أعترف أجل، حتى في زنزانة المجرمين هذه، يكاد يخجلني الاعتراف بأن الرعب والهلع اللذين أوقعهما في نفسي هذا الحيوان ازدادا حدة بسبب من وهم لا يقبله العقل.
كانت زوجتي قد لفتت انتباهي، أكثر من مرة إلى طبيعة البقعة البيضاء على صدر القط، والتي أشرت إليها سابقاً، تلك العلامة التي تشكل الفارق الوحيد بين هذا الحيوان الغريب وذاك الذي قتلته.
هذه البقعة على اتساعها لم تكن لها حدود واضحة، غير أنها شيئاً فشياً وبتدرج يكاد لا يلحظ، تدرج صارع عقلي لكي يدحضه ويعتبره وهماً، اكتسبت شكلاً محدداً بوضوح تام. صار لها الآن شكل ارتعد لذكر اسمه ..هذا الشكل هو ما جعلني أشمئز وأرتعب، وأتمنى التخلص من الحيوان لو تجرأت ، كان الآن صورة لشيء بغيض شيء مروع هو المشنقة! أوه أيّ آلة شنيعة جهنمية للفظاعة والجريمة للنزع والموت!
والآن لقد انحدرت إلى درك ينحط بي عن صفة الإنسانية! كيف ينزل بي حيوان بهيم – قتلت مثله عن سابق تصميم- حيوان بهيم ينزل بي أنا الإنسان المخلوق على صورة كريمة، كل هذا الويل الذي لا يحتمل! وا أسفاه! ما عدت أعرف رحمة الراحة لا في النهار ولا في الليل! ففي النهار لم يكن ذلك البهيم ليفارقني لحظة واحدة، وفي الليل كنت أهب من النوم مراراً يتملكني ذعر شديد لأجد لهاث ذلك الشيء فوق وجهي، وثقل جسمه الضخم – مثل كابوس متجسد لا أقوى على زحزحته- يجثم أبدياً فوق قلبي.
وهكذا انهارت بقايا الخير الواهية تحت وطأة هذا العذاب، وصارت أفكار الشر خدين روحي، أشدَّ الأفكار حلكة وشيطانية، ازدادت مزاجيتي سوداوية حتى تحولت إلى كراهية للأشياء كلها وللجنس البشري بأسره، وأخذت نوبات غضبي المفاجئة المتكررة التي لم أعد أتحكم بها واستسلمت لها كالأعمى، أخذت تطال وا أسفاه زوجتي، أعظم الصابرين على الآلام.
رافقتني ذات يوم لقضاء بعض الأعمال المنزلية في قبو المبنى القديم حيث أرغمتنا الفاقة على السكنى، تبعني القط على الدرج وكاد يرميني، فاستشاط غضبي الجنوني؛ رفعت فأساً متناسياً ما كان من خوفي الصبياني الذي أوقفني حتى الآن، وسددت ضربة إلى الحيوان كانت ستقضي عليه لو أنها نزلت حيث تمنيت، غير أن يد زوجتي أوقفت هذه الضربة. كان هذا التدخل بمثابة منخاس دفع بغضبي إلى الهياج الشيطاني؛ انتزعت يدي من قبضة زوجتي و دفنت الفأس في رأسها، فسقطت ميتة دون أن تصدر عنها كلمة.
لما ارتكبت هذه الجريمة البشعة، جلست على الفور أفكر في التخلص من الجثة. عرفت أنني لا أستطيع إخراجها من البيت لا في الليل ولا في النهار دون أن أخاطر بتنبيه الجيران. مرت برأسي خطط عديدة. فكرت بأن أقطع الجثة إرباً ثم أتخلص منها بالحرق. وفكرت في حفر قبر لها في أرض القبو. كما فكرت في إلقائها في بئر الحوش، أو أن أحشرها في صندوق بضاعة وأستدعي حمالاً لأخذها من البيت. وأخيراً اهتديت إلى أفضل خطة للتخلص منها. قررت أن أبنيها في جدار القبو، كما كان الرهبان في القرون الوسطى يبنون ضحاياهم في الجدران.
كان القبو مناسباً لهذه الغاية. فقد كان بناء جدرانه مخلخلاً وقد تم توريق الجدران حديثاً بملاط خشن حالت الرطوبة دون تصلبه. وفوق ذلك كان في أحد الجدران تجويف بشكل المدخنة تم ردمه بحيث تستوي أجزاء الجدار، وتأكد لي أن باستطاعتي انتزاع قطع الطوب من هذا التجويف وإدخال الجثة، وبناء التجويف ليعود الجدار كما كان بحيث لا ترتاب العين في أي تغيير.
ولم تخطئ حساباتي. استعنت بمخل لانتزاع قطع الطوب، وأوقفت الجثة بتأن لصق الجدار الداخلي ودعمتها لتحتفظ بوضع الوقوف، فيما كنت أدقق لأعيد كل شيء إلى ما كان عليه. كنت قد أحضرت الملاط والرمل والوبر، فهيأت الخليط بمنتهى الدقة والعناية بحيث لا يميز من الملاط السابق، وأعدت كل قطعة طوب إلى مكانها. عندما أكملت العمل أحسست بالرضا عن النتيجة. لم يكن يبدو على الجدار أدنى أثر يدل على أنه قد لمس. نظفت الأرض بمنتهى العناية ونظرت حولي منتصراً وقلت في نفسي: ’’لم يذهب جهدي سدىً‘‘.
كانت الخطوة الثانية هي البحث عن الحيوان الذي سبب لي هذه الفاجعة الرهيبة، ذلك أنني قررت القضاء عليه، لوعثرت عليه في تلك اللحظة لما كان هنالك من شك في أمر مصيره؛ لكن يبدو أن الحيوان الذكي أدرك عنف غضبي فاختفى متجنباً رؤيتي وأنا في ذلك المزاج.
يستحيل علي أن أصف عمق الراحة والسكينة التي أتاحها لروحي غياب ذلك الحيوان. لم يعد للظهور تلك الليلة. وهكذا ولأول مرة منذ وصوله إلى البيت نمت بعمق وهدوء، أجل نمت على الرغم من وزر الجريمة الرابض فوق روحي.
مر اليوم الثاني ثم الثالث ولم يظهر معذبي، ومن جديد تنفست بحرية. لقد أصيب الوحش بالذعر فنجا بنفسه نهائياً! ولن يكون علي أن أتحمله بعد الآن! كانت سعادتي بذلك عظيمة! ولم يؤرق مضجعي وزر الجريمة السوداء إلا لماماً. جرت بعض التحقيقات وقدمت أجوبة جاهزة. بل كانت هناك تحريات، غير أن شيئاً ما لم يكتشف، وأدركت أن مستقبل سعادتي في أمان.
فلم باتجك سلافيسا
كنت قد بنيت الجدار والقط داخل القبر
في اليوم الرابع بعد وقوع الجريمة جاءت فرقة من الشرطة إلى البيت بشكل لم أتوقعه وبدأت تحريات واستجوابات دقيقة، لكن بما أنني كنت مطمئنا إلى إخفاء الجثة لم أشعر بأي حرج. سألني ضباط الشرطة أن أرافقهم إلى القبو، فلم ترتعد فيَّ عضلة واحدة. كان قلبي ينبض بهدوء كقلب بريء نائم. رحت أذرع القبو جيئة وذهاباً عاقداً ذراعي فوق صدري. اقتنع رجال الشرطة بنتائج بحثهم واستعدوا للذهاب، كانت النشوة في قلبي أقوى من أن أكتمها. كنت أتحرق لقول كلمة واحدة، لفرط ما أطربني الانتصار، ولكي أزيد يقينهم ببراءتي.
’’أيها السادة - قلت أخيراً، لما كان الفريق يصعد الدرج - يسرني أن أكون قد بددت كل شكوككم. أتمنى لكم تمام الصحة ومزيداً من اللباقة، بالمناسبة أيها السادة، هذا بيت مكين البناء - في رغبتي العارمة لقول شيء سهل،لم أجد ما أتلفظ به - إنه بيت مبني بشكل ممتاز. هذه الجدران- هاأنتم ذاهبون أيها السادة- هذه الجدران متماسكة تماماً‘‘
وهنا ، وبنوع من الزهو المتشنج- طرقت طرقاً قوياً على الجدار بعصا كانت بيدي، تماماً في الموضع الذي أخفيت فيه زوجة قلبي.
لكن ليحمني الله من مخالب إبليس الأبالسة! لم تكد اهتزازات ضربتي تغرق في الصمت حتى جاوبني صوت من داخل القبر! صرخة مكتومة متقطعة بدأت كبكاء طفل، لكن سرعان ما أخذت تتعاظم وتتضخم لتغدو صرخة واحدة هائلة مديدة شاذة غريبة وغير آدمية بالمرة.. غدت عواء.. عويلاً مجلجلاً يطلقه مزيج من الرعب والظفر، وكأنما تتصاعد من قيعان الجحيم تتعاون فيها حناجر الملعونين في سعير عذاباتهم والشياطين إذ يهللون اللعنات.
من الحماقة أن أحدثكم عن الأفكار التي تلاطمت في رأسي.. ترنحت منهاراً وتهاويت مستنداً إلى الجدار المقابل.. للحظة واحدة ظل فريق الشرطة مسمراً على الدرج بفعل الرعب والاستغراب. وفي اللحظة التالية كانت بضع عشرة ذراعاً شديدة تهدم الجدار. أنهار قطعة واحدة. كانت الجثة قد تحللت إلى درجة كبيرة و غطاها الدم المتجمد، وهي تنتصب واقفة أمام أعين المشاهدين وعلى رأسها يقف القط الأسود الكريه بفمه الأحمر المفتوح وعينه الوحيدة النارية، القط الذي دفعتني أفعاله إلى الجريمة ثم أسلمني صوته الكاشف إلى حبل المشنقة. كنت قد بنيت الجدار والقط داخل القبر.

الأربعاء، 5 فبراير 2014

جوال المرأة الميتة الحلقة العاشرة و الأخيرة




الحلقة العاشِرة والأخيرة ..


حاول أبا سعيد جاهدا أن يفتح ذلك الباب ..

لكنه كان موصدا بأحكام ..

تساءل ابا سعيد عن السر في حبسه ؟؟

ولماذا يمكن أن يفعل الشيخ سلمان مثل هذه الفعلة ؟؟

كانت الشكوك تحاصره ..

قرر أن لايقف حائرا ..

كان يدرك أن هناك شي غير طبيعي يحدث هنا ..

بدأ بالدوران حول نفسه ..

كان يتفحص تلك الغرفة جيدا ..

لاحظ وجود فتحة للتهوية ..

كسر الحاجز الخشبي الذي يفصلها عن الممر الداخلي ..

وقفز قفزة كانت أصغر من عمره بكثير ..

ولكنها أقوى غريزة يمتلكها الكائن الحي ..

أنها غريزة الرغبة بالبقاء ..

نزل من الناحية الاخرى ..

كان قد وصل الى ممر الصالة ..

قصد مسرعا أحدى الغرف ..

وأصابه الذهول حين وصل الى أحدى الغرف ..

ماشاهده كان مخيفا ...

كان يرى الشيخ سلمان ملقى على الارض وبجانبه تماما زوجته ..

ولم يكن هناك أثر لأم ناصر ...

وكأن الارض أبتلعتها ..

كان واضحا أن الشيخ سلمان وزوجته ليسا بوعيهما ...

أسرع ابا سعيد الى الغرفة الجانبية وشاهد شيئا غريبا ..

شيئا جعل شعر رأسه يقف ..

شاهد أم ناصر تتوسط الغرفة تماما ..

ولكنها كانت بدون رأس ..

بل كان الجسد فقط موجودا ...

،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،

كنت أراقب ذلك العجوز المبتسم ...

كان يضحك ثم قال لي : عبدالرحمن ...

لقد أتعبوك كثيرا الليلة ..

أجلس ولاتنظر للكتاب أو تفكر بفك السكين عن صفحاته ..

أنهم يريدون به خراب ودمار كثير من البشر ..

أرجوك لاتعطهم هذا الكتاب ..

ثم تحولت ضحكاته الى بكاء طويل ..

وصار يرجوني بشدة أن أمتنع عن هذا الكتاب ..

أحسست وقتها أنني أبتلعت لساني ..

حاولت جاهدا الكلام ..

ثم نطقت اخيرا ..

قلت له : من أنت ؟

عادت أبتسامته المخيفة تعلو وجهه وهو يقول :

أنا والد ناصر الحقيقي ..

وواصل حديثه ...

أنا أعتزلت الناس من سنين طويلة بسبب هذا الكتاب ..

عندما كنت أحفر داخل تلك المقبرة ..

كنت أعمل على تجهيز القبور للأموات ..

حتى عثرت على هذا الكتاب ..

قرأته بل وأحسست أني مشدود أليه ..

لم أكن أسنطيع مقاومة سحره ..

جمعتهم من كل حدب وصوب ..

كانوا يخدمونني كل الجن ..

حتى تزوجت منهم أم ناصر ..

نعم ..

جميلة جميلات الجن ..

ثم ساد خلاف كبير بين أقوامها بسببي وبسبب هذه الزيجة ..

كانوا يريدون الكتاب ليتخلصوا مني ومن نفوذي عليهم ..

قررت العمل بنصيحة الكتاب ووضعت السكين بداخله ..

وكانت هذه تعويذة لكف الجن عن الكتاب ..

كانوا يريدون هذه النسخة لاكمال المجموعة ..

المجموعة ذات الـ 3 كتب ..

علموا بناصر ..

وبمقدمه للحياة ..

حاولوا الا تختار امه له التشكل كأنسي ..

ولكنها فعلت فقتلوها ...

قطعوني كما ترى ..

فقط حينما أحاول الصراخ أو أرفع صوتي لاأملك سوى الانين ..

قاموا بتربية ناصر حتى سن الثالثة ..

كانوا يرون فيه بطلهم الذي سيكبر ويحرر هذا الكتب ..

وفاء لجنس امه على الاقل ..

ولكن ...

قاطعته أنا قائلا : ولكن والد ناصر المسكين الذي وجده ورباه كان هو الضحية ..

بدأت بالبكاء معه ...

كنت أنظر حولي ..

وياللعجب ..

خلي هناك في الغرفة الاخرى ..

كان هناك باب واضح للمنزل ..

أذن كيف لم أشاهده وأنا خارج المنزل ؟؟

كان الرجل لايزال يطلق ذلك الأنين المخيف ...

حاولت الأقتراب من ذلك الكتاب ..

ولكن ..

كنت أشعر بشي يدفعني لفك السكين ..

ولكن كلام هذا الرجل يخيفني ..

كنت واقعا في بحر من الحيرة ...

من أصدق ؟؟

كيف لي أن أعرف الحقيقية لأنهي كل هذا الخوف ..

ثم قررت أن أنهي ماجئت من أجله ..

سأخرج السكين وليحدث مايحدث ..

تقدمت بقوة وذلك الرجل يزداد أنينه ..

كان وجهه يتغير الى اللون الاسود ..

تجاهلته تماما ..

وأنتزعت السكين ...

وأنفتح الكتاب ...

لم أكد أبتعد عن الكتاب ألا وأشتعلت نيران مخيفة ..

كنت أشعر بحرارتها ..

هربت الى الغرفة الثانية ..

أبحث عن المخرج ..

ولكن ..

كانت هناك جثث ملقاة وجميعها بلا رؤوس ..

كلها كانت لابا سعيد ..

والشيخ سلمان وفيما يبدو زوجته ..

وأمرأة أخرى يبدو أنها والدة ناصر ...

جن جنوني ...

هل ماأراه حقيقة ؟؟

أين وعدهم لي بترك ناصر ووالده وعودة الامور الى ماكانت عليه ..؟

أنهم كاذبون ...

نعم حتى لو قالوا ووعدوا أنهم كاذبون ...

كانت النيران تزداد أشتعالا ..

دفعت ذلك الباب بقدمي ..

فأنفتح بكل سهولة ..

في الخارج ..

كما رأيت تماما ..

كنت داخل ذلك البيت المهجور وهاأنا ذا الان أرى بوابة المزرعة ..

كل ماأريده الان هو الخروج والهروب من هنا كيفما كان ..

ركبت سيارتي بسرعة ..

أدرت المحرك ..

لكنه لايستجيب ..

عاودت المحاولات أكثر فأكثر ولكن بدون فائدة ...

لمحت تلك الاضاءة التي تعني نفاذ الوقود ..

تذكرت ماحل بخزان الوقود ..

وقعت عيني على زجاجة ماء بجانبي ..

تناولتها وهربت ..

قررت قطع الطريق ماشيا ..

ولكن !!

كيف لم أنتبه ؟؟

كانت خلفي بأمتار قليلة تقف سيارة من سيارات الشرطة !!

ترى هل هي حقيقية ؟؟

تقدمت نحوها ..

كان محركها يعمل ..

ولكن مالذي جاء بها هنا ؟؟

هل هي تلك السيارة التي كانت تتبعني قبل مجيئي الى هنا ؟؟

تركت كل تلك الاسئلة جانبا ..

صعدت الى السيارة ..

أحكمت أغلاق كل الأبواب ..

وأنطلقت ..

نعم لن أتوقف ..

لن ألقى حتفي هنا ..

كنت قريبا من تلك المقبرة ..

ثم رأيت جثة شرطي ملقاة على الطريق ..

كانت تتوسط الطريق ..

ترى مالذي حدث له ..؟؟

تجاوزنه قليلا متعمدا أن لاأقترب منه كي لاأدهسه ..

ثم أنعطفت قليلا ...

وأذا بشخص يحاول أن يفتح باب السيارة الجانبي ..

لم أكن أستطيع تمييز ملامحه ..

كان فقط يحاول أقتحام السيارة ..

ثم قررت الأنطلاق بلا تردد ..

لكنه كسر زجاج السيارة الجانبي ..

زدت من سرعة السيارة ..

لكنه ظل متعلقا بيد وحيدة ..

نظرت حولي ..

لم أجد سوى زجاجة الماء تلك التي أعطاني أياها الشيخ سلمان ..

قذفت بها على يده ..

تحطمت الزجاجة وتناثرت محتوياتها على يده ..

ليعقبها صرخة مدوية منه ..

صرخة هزت كياني ..

كان يتألم ..

ثم سقط تاركا السيارة ..

والمخيف ..

أنه سقط ..

تاركا ذراعه التي أنقطعت داخل السيارة ..

أنقطعت بفعل تلك المياة الطاهرة ..

نعم ..

المياة التي ذكر اسم الله عليها ..

كان شكل اليد المقطوعة مخبفا ...

بدأت أستعيد كل شي ..

ذلك الرجل الذي أنقطعت يده قبل قليل لم يكن سوى ذلك الشرطي الذي أوقفني حين عودتي الاخيرة للرياض ...

أيعقل هذا ..

هل باتوا يعيشون ويتكاثرون حولنا ونحن لانعلم ..

هل أصبحوا يخالطوننا حتى أصبح من الصعب تمييزهم ..

كنت أنطلق بقوة متجاوزا تلك المزارع والاحراش ..

فقط لي هدف واحد سأقف عنده ..

نعم ..

سأتجه الى مركز الشرطة ..

بل أقرب مركز شرطة ..

كان الفجر قريبا وباتت خيوطه في الارتسام ..

قطعت المسافات سريعا ..

تجاوزت تلك الطرق ..

وأخيرا ..

هاهو ذا مركز الشرطة ..

أوقفت السيارة بشكل عشوائي على الطريق ..

ودخلت مسرعا الى ذلك المركز ..

وصلت الى غرفة أحد الضباط ..

كان ينظر لي بخوف ..

ثم قال لي : ماذا حدث لك ..

طلبت منه ماء ..

فأعطاني ...

ثم طلب بالجرس مجموعة من المساعدين ..

كانوا مندهشين لحالتي ..

طلب منهم الضابط تركي لأارتاح ..

ثم بدأت أحكي لهم القصة ..

نعم ..

كل القصة ..

بكل تفاصيلها ..

وبكل صغيرة وكبيرة ..

كانوا يسجلون كل شي ..

كل شي ..

ثم ...

سقطت أنا في غيبوبة ..

غيبوبة تامة ..

كنت أفتح عيني جاهدا ..

كان ضوء الشمس يملأ المكان ..

وكنت ماازال كما أنا بحالتي الرثة ..

ولكني كنت على أحد الاسرة البيضاء في مستشفى على مايبدو ..

كانت غرفتي تحوي الكثير من الأطباء والضباط ..

كانوا يتبادلون الحديث ..

كنت أسمعهم بوضوح ..

دون أن ينتبهوا لي ..

كان أحد الضباط يقول :

لقد أرسلنا رجال الشرطة للتأكد من المزرعة التي يقول ولكننا لم نجد هناك مزرعة أصلا ..

ثم بحثنا عن المقبرة والقبر التي يقول ولكن لاوجود لها في تلك المنطقة ..

وسألنا بعض من يعيشون هناك عن رؤيتهم لشاب بمواصفاته ولكنهم أنكروا رؤية مثل ذلك ..

ثم قاطعه ضابط اخر :

حتى بيتهم الذي يقول في الرياض لم نعثر عليه بل أن الموقع الذي وصف لنا فيه بيتهم كان هو موقع مقبرة كبيرة في الرياض ..

ومحله الذي يدعي ان اللص صاحب الاسعاف كان يتردد عليه فيه ليس له وجود ..

بل أن مكان وصفه كان يوجد أرض خالية كانت معروضة للبيع ..

حتى ابا سعيد الذي ذكر والشيخ سلمان وناصر صديقه ووالده ليس لهم وجود وحتى عناوينهم كانت لمنازل خاطئة ..

كان كبير الضباط ينظر بحيرة اليهم ..

ثم واصل ضابط اخر :

حتى وصوله الى مركز الشرطة صباحا كان بدون سيارة فكيف يقول انه جاء بسيارة شرطة ..

ثم أننا خاطبنا كل الجهات المعنية ومراكز الشرطة في كل الدولة فلم يبلغوا عن مقتل أو أختفاء أي فرد منهم ..

فكيف يقول أنه رأى شرطيا مقتول وقطع يد اخر ؟؟

تدخل كبير الاطباء وخاطب الضباط قائلا :

أيها السادة لقد أخبرتكم مرارا أن هذا الشاب مريض نفسي ..

وهو مصاب بمرض الفصام ** الذي هو واحد من الأمراض الذُّهانية أو العقلية الرئيسية ..

والاكيد أن هذا الشاب مصاب بما يعرف بالفصام الظناني أو الباروني ..

وهو ناتج عن الضغوط التي قد يتعرض لها

مرض الفصام :

يعتبر مرض الفصام الذهاني (schizophrenia) أهم الأمراض العقلية ..

ومن الأخطاء الشائعة ما يسميه البعض بانفصام الشخصية ..

ويشكل المصابون بهذا المرض أكثر نزلاء مستشفيات الأمراض النفسية والعقلية نظراً لصعوبة هذا المرض وتأثيره على المريض وعائلته وكذلك على المجتمع...

وهذا المرض موجود منذ زمن بعيد وأول وصف لهذا المرض يرجع الى عام 1400 قبل الميلاد .

دخل في ذلك الوقت شرطي اخر ...

سلم رسالة ما الى كبير الضباط ..

فتحها ذلك الكبير ثم قال موجها حديثه للضباط والاطباء :

الغريب أنهم الان وجدوا سيارة تخصه ..

ولكن !!

يقولون أنهم وجدوها في قرابة أحدى مقابر المدن الشمالية !!

والاغرب أنهم عثروا على زجاجها الجانبي محطم ..

وعلى المقعد الجانبي كانت هناك يد مقطوعة كما أدعى ..

ولكن الغريب انها لم تكن يد أنسان كما أدعى ..

بل كانت ..

يد ..

كلب !!

قرر الأطباء أن حالتي صعبة وتحتاج الى علاج مكثف ..

والان هاهم ينقلونني في عربة الاسعاف الى مستشفى الامراض النفسية بالعاصمة ..

سيتم أيداعي هناك حتى تتحسن حالتي ..

من يعلم !!

قد أكون عاقلا بين مجانين رفضوا تصديقي ..

وقد أكون مجنونا يحتاج الى علاج ..

هذه التجربة ستظل محفورة بعقلي وذاكرتي ماحييت ..

أقسم أن ماعشته حقيقي ..

مارأيته حقيقي ..

ولايهمني أن يصدقني أحد ..

دعوني أبقى في هذا المستشفى ..

دعوني فربما كان عقلي بحاجة الى راحة طويلة جدا ..

لقد تحمل مالايطيقه انسان ..

دعوه يرتاح حتى لو كان الثمن أتهامي بالجنون ..

لايهم ..

لقد مرت علي ليلة من اصعب ماعاشه الانسان ..

ثم أغمضت عيني ..

ورحت في نوم عميق ..

ولكن ..

لم أكد أنعم بتلك الغفوة ألا بصوت باب سيارة الاسعاف يفتح ..

كنت مقيدا كمتهم ..

وكانوا يسوقونني كمجرم ..

ياالله ..

هربت اليهم طالبا النجدة عاقلا ..

فأخرجوني من مركزهم مريضا ومختلا ..

كانوا يقولون أن المستشفى يتخذ أجراءات أحتراسية لاستقبال حالتي الحرجة ..

وصلت ..

وكانوا يقودونني الى حجرة خاصة ..

حجرة كنت أرى اللوحة التي كتبت عليها ..

كانت " عنبر الحالات الخطرة " ..

وصلنا ..

فتح الباب الاول ..

ثم سرنا قليلا ففتح الباب الثاني ..

ثم وصلنا الى باب ثالث ..

كانت تبدو خلفه حجرة معزولة وكئيبة ومظلمة ..

كنت أتساءل قبل أن ندخل ..

ماذا لو مات شخصا هنا ..

مع كل هذه الابواب والمسافات ..

هل سيكون هناك من يسمعه ؟؟

أبتسمت وتذكرت ..

من سيهمه موت مثل هؤلاء الشريحة من المجتمع ..

أنهم مجانين وميتين بعيون الاصحاء ..

أوصلني الممرض وزميله الى فراشي الابيض والذي كنت أميزه بصعوبة بالغة بسبب ضعف الاضاءة ..

أستلقيت بجسدي الهالك أبغي الراحة ..

حتى لو كانت هنا بين هؤلاء المجانين ..

كان يشاركني الغرفة 3 نزلاء ..

هؤلاء هم رفقتي ..

كنت أتساءل واناأنظر أليهم ..

ياترى هل بينهم عقلاء أتهمهوهم بالجنون ؟؟

هل فيهم من مر بتجربة ما فرفض المجتمع تصديقه ؟؟

أبتسمت من جديد سخرية بهذا المجتمع ..

كنت أهم بالاستلقاء والنوم ..

النوم بعمق ..

ولكن !!

أنتبتهت لحركة أحد هؤلاء المجانين الذين يرافقونني ..

ثم تبعه المريض الثاني ..

وأصطف ورائهم الثالث ..

كانوا يمشون ببطء ..

زيقتربون مني ..

حتى أقتربوا من سريري ..

وكأنهم كانوا بأنتظاري ..

وبأنتظار لحظة دخولي ومغادرة الممرضون ..

كانت تعلو محياهم أبتسامة واحدة ..

أٌقتربوا أكثر ..

أضأت المصباح الذي كان يعلو سريري ..

ثم ...

أصابتني صدمة لاحدود لها ..

كانت الوجوه الثلاثة معروفة جدا بالنسبة لي ..

أقسم أنها كذلك ..

أنهم ..

ناصر ..

ووالده ...

واللص علي ..

سائق الاسعاف ..

وسارق الاموات !!




(نهاية القصة )













تابعونا للمزيد من القصص المثيرة و المرعبة